لو كانت العلاقات بين الولايات المتحدة الأميركية و**إسرائيل** من جهة، و«الجمهورية الإسلامية» الإيرانية من جهة أخرى، علاقات طبيعية قابلة للتسوية السياسية التقليدية، لما كانت هناك حاجة إلى حرب تستهدف اقتلاع النظام الإيراني من جذوره. غير أنّ الإشكالية لا تكمن في حدث عسكري بعينه، بل في طبيعة النظام ذاته، وفي عجزه البنيوي عن التكيّف مع تحولات عميقة شهدها الإقليم والنظام الدولي.
لا يمكن، في القضايا الاستراتيجية الكبرى، الفصل بين واشنطن وتل أبيب. فالمطالب الموجّهة إلى طهران واضحة ومتراكمة: تفكيك البرنامج النووي، إنهاء برنامج الصواريخ الباليستية ومنصّاته، ووضع حدّ للأذرع العسكرية التي يديرها «الحرس الثوري» خارج الحدود الإيرانية. هذه المطالب ليست جديدة، لكنها انتقلت من خانة التفاوض إلى خانة الفرض، بفعل تغيّر موازين القوى بعد 7 أكتوبر 2023.
منطق الاستسلام العقلاني: دروس التاريخ المقارن
لو تصرّفت إيران بمنطق الدولة، لا بمنطق الثورة الدائمة، لكانت اختارت تفادي الحرب، كما فعلت ألمانيا واليابان في نهاية الحرب العالمية الثانية. هزيمتهما العسكرية لم تكن نهاية الدولتين، بل بداية إعادة بنائهما. احتاجت اليابان إلى قنبلتين نوويتين على هيروشيما و**ناغازاكي** كي تدرك أن المواجهة مع الولايات المتحدة عبثية، وأن الاستسلام ليس عاراً بل مدخلاً للحياة.
الهزيمة حرّرت ألمانيا من نظام نازي دمّرها، ومكّنت اليابان من التحول إلى قوة اقتصادية عالمية. السؤال الجوهري هنا: هل تعتبر إيران نفسها أرقى من هاتين التجربتين، أو أكثر أهمية منهما في النظام الدولي؟
فشل داخلي يسبق الإخفاق الخارجي
قبل أن تفشل «الجمهورية الإسلامية» في الإقليم، فشلت في الداخل الإيراني. هذا الفشل هو مكمن ضعفها الحقيقي، وهو أصل الهزيمة. فمنذ انتصار آية الله روح الله الخميني عام 1979، أُجبرت الشعوب الإيرانية، بتعدّدها القومي والثقافي، على مغادرة «ثقافة الحياة» والانخراط في ثقافة التعبئة الدائمة، والعسكرة، وتقديس الموت.
النظام الذي يعجز عن توفير حياة كريمة لمواطنيه، لا يمكنه أن ينجح في تصدير نموذج سياسي أو فرض معادلات إقليمية مستقرة. ولذلك، لم تكن خسائر إيران في العراق ولبنان واليمن سوى انعكاس لفشل أعمق داخل حدودها.
أوهام الأوراق الإقليمية ولغة انتهى زمنها
ارتكبت طهران خطأ استراتيجياً حين اعتقدت أنّ لديها «أوراق قوة» تخوّلها التفاوض من الندّ إلى الندّ مع «الشيطان الأكبر». رأت في العراق ورقة إيرانية، وفي «حزب الله» و«أنصار الله» أدوات ضغط دائمة، وفي قواعد الاشتباك السابقة مع إسرائيل مظلّة أمان.
لكن الوفد الإيراني الذي فاوض في جنيف، بوساطة عُمانية، كان يتحدّث بلغة تجاوزها الزمن. فمنذ «طوفان الأقصى»، تغيّر كل شيء: لم يعد مطلوباً ضبط البرنامج النووي، بل إنهاؤه؛ ولم يعد النقاش يدور حول سقوف التخصيب، بل حول إزالة القدرة ذاتها. الأمر نفسه ينطبق على الصواريخ الباليستية وعلى الشبكات العسكرية العابرة للحدود.
سوء تقدير اللحظة الأميركية
بلغ سوء التقدير الإيراني ذروته حين حاول إغراء دونالد ترامب بفتح السوق الإيرانية أمام الشركات الأميركية. هذا الطرح يتجاهل مفهوماً أساسياً في الاقتصاد السياسي: لا استثمار بلا أمن. أي شركة يمكن أن ترسل موظفيها إلى بلد اعتاد احتجاز الرهائن واستخدامهم كورقة تفاوض؟
منذ انسحاب ترامب من اتفاق 2015، ثم اغتيال قاسم سليماني، كان القرار الأميركي واضحاً: كسر الذراع الإيرانية لا التعايش معها. ما جرى لاحقاً لم يكن سوى تنفيذ تدريجي لهذا القرار.
الهزيمة غير المعترف بها
بدت المواجهة العسكرية حتمية لأنّها جمعت بين عقلين لا يلتقيان: عقل إيراني يعيش في الماضي، وعقل أميركي يتحرّك بمنطق فرض الوقائع. خروج إيران من سوريا، وانهيار نفوذها الفعلي، ليس سوى التعبير الأوضح عن هزيمة سبقت الحرب.
كان ينقص النظام الإيراني عنصر واحد فقط: الجرأة على الاعتراف بالهزيمة. فالاعتراف هو الشرط الأول لأي تفاوض حقيقي. من دون ذلك، لا أوراق قوة، ولا مستقبل سياسياً، ولا قدرة على إعادة إدماج إيران في محيطها الطبيعي.
في الخلاصة، لم تُهزم «الجمهورية الإسلامية» في ساحة المعركة فقط، بل هُزمت قبل ذلك في الداخل، في علاقتها مع شعبها، وفي عجزها عن فهم العالم الذي تغيّر من حولها. تلك هي الهزيمة الأصلية، وكل ما عداها تفاصيل.