شكّل الإعلان الرسمي عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي في هجوم عسكري أميركي-إسرائيلي نقطة تحوّل مفصلية في تاريخ الجمهورية الإسلامية، ليس فقط من حيث الرمزية السياسية لرجل حكم البلاد طيلة 36 عاماً، بل أيضاً من حيث ما كشفه الحدث من انقسام اجتماعي-سياسي عميق داخل المجتمع الإيراني، ظل كامناً لسنوات قبل أن ينفجر إلى العلن مع لحظة الرحيل المفاجئ.
الحداد الرسمي مقابل الفرح الشعبي: ازدواجية المشهد الإيراني
أظهرت التغطية الرسمية، عبر التلفزيون الحكومي، مشاهد حداد جماعي في طهران ومدن أخرى، حيث ارتدى آلاف الإيرانيين السواد وذرفوا الدموع في الساحات العامة، في تعبير تقليدي عن الولاء للنظام ومؤسساته الرمزية. هذا المشهد أعاد إلى الأذهان الطقوس السياسية-الدينية التي رافقت وفاة آية الله روح الله الخميني عام 1989، حين ارتبط الحزن الشعبي آنذاك بإجماع وطني شبه كامل.
غير أن المشهد هذه المرة لم يكن أحادياً. فقد تزامنت صور الحداد مع مقاطع مصورة، جرى تداولها على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي، توثّق مظاهر فرح واحتفال في مدن وأقاليم مختلفة، شملت إسقاط تماثيل رمزية للنظام والرقص في الشوارع وإحراق نصب تذكارية. هذا التباين الحاد في ردود الفعل يعكس تحوّلاً عميقاً في العلاقة بين السلطة والمجتمع، ويشير إلى تآكل شرعية النظام لدى شرائح واسعة، خاصة بين الشباب والأقليات والمناطق المهمّشة.
جذور الانقسام: من شرعية الثورة إلى أزمة الحكم
لا يمكن فهم هذا الانقسام بمعزل عن السياق التاريخي والسياسي الذي عاشته إيران خلال العقدين الأخيرين. فمنذ احتجاجات 2009، مروراً بانتفاضات 2017 و2019، وصولاً إلى الاحتجاجات الدموية الأخيرة التي قُمعت بعنف شديد، تراكمت مشاعر الغضب وانعدام الثقة تجاه مؤسسات الدولة. وقد أسهمت الأزمات الاقتصادية الخانقة، والعقوبات الدولية، وتضييق الحريات، في تعميق الفجوة بين الخطاب الرسمي الذي يرفع شعارات “المقاومة” و“الاستقلال”، والواقع المعيشي الصعب للمواطنين.
في هذا السياق، لم يعد المرشد الأعلى، لدى جزء من الإيرانيين، رمزاً للوحدة أو الاستقرار، بل تجسيداً لاستمرارية نظام مغلق يرفض الإصلاح الذاتي. ولذلك، جاء خبر مقتله ليُستقبل لدى البعض كفرصة تاريخية لإنهاء الجمهورية الإسلامية، لا كفاجعة وطنية.
العامل الخارجي ومخاوف السيناريوهات المفتوحة
في المقابل، عبّرت أصوات إيرانية أخرى، حتى من بين المنتقدين للنظام، عن رفضها الابتهاج بمقتل زعيم البلاد على يد قوة أجنبية. هذا الموقف يستند إلى ذاكرة إقليمية مثقلة بتجارب التدخل الخارجي، خاصة ما حدث في العراق بعد 2003، حيث أدّى إسقاط النظام بالقوة إلى فوضى طويلة الأمد وسفك دماء وانهيار مؤسسات الدولة.
تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي دعا فيها الإيرانيين إلى “اغتنام الفرصة للإطاحة بالحكومة”، زادت من حدة المخاوف لدى قطاع من المجتمع الإيراني، الذي يرى في التدخل الخارجي تهديداً لوحدة البلاد أكثر مما هو بوابة للتحرر السياسي.
ما بعد خامنئي: مستقبل مفتوح على المجهول
إن مقتل خامنئي لا يعني بالضرورة نهاية النظام، لكنه يضع الجمهورية الإسلامية أمام أخطر اختبار وجودي منذ تأسيسها عام 1979. فغياب الشخصية المحورية التي شكّلت صمام توازن بين مراكز القوى الدينية والعسكرية والسياسية، يفتح الباب أمام صراعات داخلية، كما يضع مسألة الخلافة في قلب معادلة شديدة التعقيد.
في المحصلة، تكشف ردود الفعل المتناقضة على مقتل المرشد الأعلى عن إيران منقسمة على ذاتها: دولة تبحث عن الاستقرار بأي ثمن، ومجتمع يتوق، في جزء منه، إلى قطيعة جذرية مع الماضي. وبين هذين الخيارين، يبقى مستقبل إيران معلقاً على قدرة نخبها، أو عجزها، عن إدارة لحظة تاريخية استثنائية دون الانزلاق إلى الفوضى.