بينما يروّج الخطاب الرسمي لـ«مغرب حديث» يستعد لاحتضان كأس العالم 2030، تبدو الاستعدادات على الأرض أشبه بمباراة غير متكافئة: فريق من الجرافات والقرارات الإدارية السريعة، في مواجهة مواطنين فقراء لا يملكون سوى جدران بيوتهم وذاكرة المكان.
في ضواحي الدار البيضاء، وتحديدًا بمنطقة أولاد حدو، يعيش السكان نسخة مغربية من «التنمية المفاجئة». فجأة، تُصبح الأرض التي كانت بالأمس هامشية تُقدّر اليوم بعشرين ألف درهم للمتر المربع. وفجأة أيضًا، يتحول المال العام إلى ذريعة: المصلحة العامة. أي مصلحة؟ لا أحد يشرح. المهم أن الهدم قادم، وأن السكان مطالبون بالإخلاء… ثم الانتظار.
الهدم هنا ليس مجرد عملية عمرانية، بل تمرين قاسٍ في إعادة تعريف العدالة الاجتماعية. الرسالة واضحة وبسيطة: «سنهدم مسكنك، وانتظر شقتك». انتظار بلا سقف زمني، وبلا ضمانات مكتوبة. والأكثر سخرية أن الشقة المنتظرة لا تُمنح مقابل الأرض، بل تُباع لصاحبها المفترض بثمن 12 ألف درهم. كأن الفقير مدعوّ لشراء حقه في السكن مرتين: مرة عندما بنى بجهده، ومرة عندما قررت الدولة أن أرضه أصبحت ثمينة فجأة.
الأدهى أن نفس البقع التي تُهدم فيها بيوت البسطاء، تُخطط فوقها مشاريع ضخمة وفيلات فاخرة. هنا، تصبح «المصلحة العامة» شديدة الخصوصية، وتتحول التنمية إلى عملية انتقاء اجتماعي: من يستطيع الدفع يبقى، ومن لا يستطيع يُطلب منه التحلّي بالصبر… أو الصمت.
لا أحد يعارض تهيئة المدن أو الاستعداد للمواعيد الرياضية الكبرى. بل إن المغاربة، كما عهد عنهم، يفرحون عندما يُذكر اسم بلدهم في المحافل الدولية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بمرارة: هل يُعقل أن تُبنى صورة المغرب العالمي على أنقاض بيوت مواطنيه الأضعف؟ وهل الطريق إلى الملاعب المضيئة يمرّ حتمًا عبر تهجير الفقراء؟
إن ما يحدث في أولاد حدو ليس مجرد ملف عقاري، بل اختبار حقيقي لحدود السلطة وحسّها الاجتماعي. فاستعمال النفوذ الإداري دون بدائل عادلة، ودون حوار حقيقي، ليس إعدادًا لكأس العالم، بل إعدادًا لأزمة ثقة. والمواطن الذي يبحث عن قوت يومه ويكافح من أجل سقف يأويه، لا يمكن أن يكون وقودًا لمشاريع لا يرى منها سوى الغبار.
آن الأوان لوضع حد لهذا الشطط في استعمال السلطة، وإعادة الاعتبار لمعنى «المصلحة العامة» باعتبارها مصلحة الجميع، لا مصلحة الإسمنت وحده. فالمغرب الذي نريد تقديمه للعالم في 2030، يجب أن يكون بلدًا يحمي مواطنيه قبل أن يلمّع واجهاته.