المجلس العلمي المحلي في بلجيكا بين إكراهات المنهجية الفقهية وتحديات توحيد المسلمين

بوشعيب البازي

Screenshot

مع اقتراب نهاية كل شهر قمري، وبشكل خاص خلال شهر رمضان، يتجدد النقاش داخل الجالية المسلمة في بلجيكا حول الجهة المخوّل لها إعلان بداية الشهر ونهايته. ويطفو على السطح سؤال محوري: هل يمتلك المجلس العلمي المحلي الشرعية الكافية لتقرير مصير المسلمين في هذا الشأن، أم أنه مجرد متلقٍّ لقرارات صادرة عن دول أخرى؟

هذا الجدل، الذي يتكرر سنوياً، يعكس في عمقه إشكالية أوسع تتعلق بمرجعية القرار الديني في السياق الأوروبي، حيث تتداخل الاعتبارات الفقهية مع رهانات الاندماج ووحدة الجالية.

بين الانطباع الشعبي والحقيقة الفقهية

يرى عدد من المنتقدين أن المجلس العلمي المحلي في بلجيكا لا يقوم برصد الهلال بشكل مستقل، بل يكتفي بمتابعة القنوات الفضائية لبعض الدول الإسلامية، ليبني عليها قراراته. وهو ما يثير، في نظرهم، شكوكا حول استقلالية القرار الديني، بل ويذهب البعض إلى اتهام المجلس بالتبعية لمرجعيات خارجية.

غير أن هذا التصور، بحسب توضيحات صادرة عن أعضاء داخل المجلس، يفتقر إلى الدقة. فالمجلس لا يعتمد – كما يُشاع – على دولة بعينها، بل يستند إلى منهجية فقهية مؤصلة، قائمة على فتوى الراحل الشيخ حسن ابن الصديق، التي تتيح اعتماد رؤية أي بلد إسلامي، شريطة تحقق شرطين أساسيين:

أولاً، أن تكون الرؤية ممكنة فلكياً، أي أن يكون الهلال موجوداً بالفعل وفق الحسابات العلمية؛

وثانياً، أن تكون الرؤية المعلنة متسقة مع هذه المعطيات، بما يمنع اعتماد شهادات غير دقيقة أو مستحيلة علمياً.

مرجعية فقهية أم اجتهاد ظرفي؟

وفق هذه المنهجية، لا يميّز المجلس بين دولة وأخرى، بل قد يعتمد إعلان بلد معين لسنوات متتالية إذا ثبتت دقة رؤيته، ثم يخالفه في سنة لاحقة إذا تعارضت شهادته مع الحسابات الفلكية. وهو ما يعني أن القرار، من الناحية النظرية، لا يخضع لمنطق “التبعية”، بل لمنطق “التحقق”.

غير أن الإشكال لا يكمن فقط في المنهجية، بل في كيفية تواصلها مع عموم المسلمين. فغياب شرح واضح ومستمر لهذه الأسس يجعل الكثيرين يفسرون قرارات المجلس من زاوية سياسية أو عاطفية، لا فقهية.

أزمة ثقة أم أزمة تواصل؟

في واقع الأمر، لا يمكن فصل هذا الجدل عن أزمة ثقة أوسع بين بعض أفراد الجالية والمؤسسات الدينية. فالمسلم في أوروبا يعيش تعددية مرجعية: بين بلد الأصل، وبلد الإقامة، وفتاوى العلماء، وتأثير وسائل الإعلام. وفي ظل هذا التعدد، يصبح أي قرار عرضة للتشكيك، خصوصاً إذا لم يكن مصحوباً بشرح مبسط وشفاف.

كما أن غياب رؤية موحدة على مستوى أوروبا يزيد من تعقيد المشهد، حيث تعلن كل دولة – وأحياناً كل مدينة – بداية الشهر بشكل مختلف، ما ينعكس سلباً على صورة المسلمين ووحدتهم.

بين الدعوة إلى الوحدة وواقع التعدد

يدعو المجلس العلمي، على لسان أعضائه، إلى وحدة المسلمين ونبذ الفرقة، مستنداً إلى مرجعية دينية واضحة. غير أن تحقيق هذه الوحدة يظل رهيناً بقدرة المؤسسات على بناء الثقة، وتعزيز التواصل، وتقديم خطاب ديني يستوعب خصوصيات السياق الأوروبي.

فالوحدة لا تُفرض بقرار، بل تُبنى بإقناع. ولا تتحقق فقط بالفتوى، بل أيضاً بالشفافية والانخراط المجتمعي.

إن الجدل حول إعلان بداية ونهاية رمضان في بلجيكا لا يتعلق فقط برؤية الهلال، بل يعكس سؤالاً أعمق حول من يمتلك سلطة التأويل الديني في مجتمع متعدد المرجعيات. وبين من يرى في المجلس العلمي جهة شرعية منظمة، ومن يعتبره فاقداً للاستقلالية، تبقى الحقيقة في حاجة إلى مزيد من التوضيح، والنقاش إلى قدر أكبر من الهدوء.

وفي انتظار ذلك، يظل التحدي الأكبر هو تحقيق التوازن بين احترام المرجعية الفقهية وضمان وحدة المسلمين في واقع أوروبي معقد، حيث يصبح الهلال، كل عام، مرآة لاختلافات أعمق مما يبدو في السماء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com