ناصر بوريطة وفوزي لقجع: حين يصنع القلم والتدبير قوة المغرب في مواجهة التحديا

بوشعيب البازي

في سياق التحولات الجيوسياسية المتسارعة، وتنامي التحديات الإقليمية والدولية، برزت شخصيتان مغربيتان استطاعتا، كل من موقعه، إعادة صياغة مفهوم الدفاع عن المصالح الوطنية بأسلوب هادئ وفعّال: ناصر بوريطة في ميدان الدبلوماسية، وفوزي لقجع في مجال الحكامة الرياضية والاقتصادية. وبين “قوة القلم” و”صرامة التدبير”، تتقاطع مسارات الرجلين عند نقطة واحدة: ترسيخ مكانة المغرب كقوة صاعدة قادرة على فرض حضورها بثقة واتزان.

ناصر بوريطة: دبلوماسية الحسم الهادئ

منذ توليه وزارة الشؤون الخارجية، نجح ناصر بوريطة في إحداث نقلة نوعية في الأداء الدبلوماسي المغربي. لم يعد الخطاب المغربي مجرد ردود أفعال، بل تحول إلى مبادرات استباقية مدروسة، ترتكز على وضوح الرؤية وثبات المواقف.

قاد بوريطة معارك دبلوماسية معقدة، خاصة فيما يتعلق بقضية الصحراء المغربية، حيث استطاع توسيع دائرة الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء، وتعزيز دعم مبادرة الحكم الذاتي كحل واقعي وذي مصداقية. كما نجح في تنويع الشراكات الاستراتيجية للمغرب، سواء مع القوى التقليدية أو الصاعدة، واضعًا بذلك أسس دبلوماسية براغماتية بعيدة عن الاصطفافات الجامدة.

أسلوبه يتسم بالهدوء، لكن نتائجه غالبًا ما تكون صاخبة. لا يبحث عن الأضواء، بل يترك الأرقام والاتفاقيات والتحولات الجيوسياسية تتحدث باسمه.

فوزي لقجع: من ملاعب الكرة إلى دوائر القرار

على الضفة الأخرى، برز فوزي لقجع كواحد من أبرز مهندسي التحول الرياضي والمالي في المغرب. لم يعد دوره مقتصرًا على رئاسة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، بل أصبح فاعلًا مؤثرًا في السياسات العمومية المرتبطة بالاقتصاد والميزانية.

في المجال الرياضي، قاد لقجع ثورة حقيقية جعلت من كرة القدم المغربية نموذجًا إقليميًا وقاريًا. تنظيم محكم، استثمار في البنيات التحتية، وتخطيط بعيد المدى أثمر إنجازات تاريخية، أبرزها الأداء الاستثنائي للمنتخب الوطني في المحافل الدولية، مما عزز القوة الناعمة للمغرب على الساحة العالمية.

أما في المجال المالي، فقد أبان عن صرامة كبيرة في تدبير الموارد، وساهم في إرساء توازنات دقيقة بين متطلبات التنمية والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي.

تكامل الأدوار: حين تلتقي السياسة بالرياضة

قد يبدو للوهلة الأولى أن الرجلين ينشطان في مجالين مختلفين، لكن الواقع يكشف عن تكامل استراتيجي واضح. فالدبلوماسية التي يقودها بوريطة تفتح الأبواب، بينما تأتي القوة الناعمة، التي يعززها لقجع عبر الرياضة، لتثبيت الحضور المغربي في الوعي الدولي.

هذا التكامل جعل من المغرب فاعلًا متعدد الأبعاد: دولة تدافع عن مصالحها بقوة القانون الدولي، وتُقنع العالم أيضًا عبر نموذجها التنموي وإنجازاتها الرياضية.

ما بين السخرية والواقع

قد تبدو العبارات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، التي تصف الرجلين بأنهما “لا يحتاجان إلى طائرات أو غواصات” لتحقيق الانتصارات، مجرد مبالغات ساخرة. لكنها، في عمقها، تعكس إدراكًا شعبيًا لدور النخب الجديدة في إدارة ملفات معقدة بأدوات ذكية.

“واحد بالقلم والآخر بالمقص”… توصيف بسيط، لكنه يلخص فلسفة كاملة: قوة التفكير والتخطيط قد تكون أحيانًا أكثر تأثيرًا من أي ترسانة تقليدية.

ولا يخفى أن اسمي ناصر بوريطة وفوزي لقجع أصبحا من بين الأكثر تداولًا في وسائل الإعلام الجزائرية، سواء بشكل مباشر أو ضمني، في سياق تغطية التطورات الإقليمية والتنافس الجيوسياسي بين البلدين. هذا الحضور المكثف يعكس، في جانب منه، حجم التأثير الذي بات يمارسه المغرب على عدة مستويات، دبلوماسية ورياضية واقتصادية. فحين تتحول أسماء المسؤولين إلى مادة يومية للنقاش خارج الحدود، فإن ذلك غالبًا ما يكون مؤشرًا على وزنهم في معادلات التأثير الإقليمي، وعلى أن التحركات التي يقودونها لم تعد تمر مرور الكرام، بل تثير اهتمامًا ومتابعة، بل وحتى قلقًا لدى الخصوم

ناصر بوريطة وفوزي لقجع ليسا مجرد مسؤولين يؤديان مهامهما الوظيفية، بل يمثلان نموذجًا لجيل جديد من الكفاءات المغربية التي تراهن على العمل في صمت، وعلى تحقيق النتائج بدل الاكتفاء بالشعارات.

في زمن تتداخل فيه التحديات، يبدو أن المغرب اختار أن يواجه خصومه ليس فقط بما يملك من إمكانيات، بل بما يمتلكه من عقول قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، والرهانات إلى مكاسب استراتيجية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com