جمهورية الميكروفون: حين يصبح كل من يملك هاتفاً… ممثلاً للجالية وصحفياً بالصدفة!
بوشعيب البازي
في زحام الادّعاءات، وفي ضجيج “التمثيلية” المزعومة، تبرز فئة عجيبة من الأشخاص الذين نصبوا أنفسهم، دون تفويض أو شرعية، ناطقين باسم الجالية المغربية في بروكسيل. لا أحد يعرف من أين أتوا، ولا من خوّل لهم الحديث باسم آلاف المغاربة الذين بنوا وجودهم في أوروبا بالكدّ والعرق والنجاح الصامت. ومع ذلك، يتحدثون بثقة تُحسد، ويصافحون المسؤولين كما لو كانوا منتخبين من صناديق اقتراع وهمية.
هؤلاء “الفاعلون الجمعويون” الجدد لا يجمعهم بالفعل أي فعل، بل يجمعهم شغف غريب بالمناصب والتمويلات. يخلقون جمعيات بأسماء فضفاضة، رنانة، تكاد توحي بأن وراءها مؤسسات عريقة، بينما هي في الواقع مجرد هياكل كرتونية، قوقعة فارغة لا يسكنها سوى الطموح الشخصي والفراغ الفكري. أسماء من قبيل “المرصد الدولي”، “الهيئة الأوروبية”، “التحالف العالمي”… لكن دون أثر واحد لنشاط ميداني حقيقي، أو مبادرة ذات أثر.
المفارقة الساخرة، بل المؤلمة، أن هذه الفقاعات تجد من ينفخ فيها. بعض منتحلي صفة الصحافة، ممن استبدلوا أخلاقيات المهنة بزرّ “النشر”، يساهمون في تضخيم هذا الوهم. بضعة أسطر تُكتب هنا وهناك، صور مناسبات باهتة، وشهادات “تقديرية” توزّع بين الأصدقاء، ليُصنع من لا شيء “فاعل جمعوي بارز” أو “صحفي مؤثر”.
أما المستوى؟ فحدّث ولا حرج. بين من لا يُحسن حتى كتابة اسمه بشكل سليم، ومن يطلب من غيره صياغة جملة مفيدة لينشرها باسمه، تتحول “الصحافة” إلى مسرح عبثي. في بعض أحياء بروكسيل، يكفي هاتف ذكي وحساب على مواقع التواصل الاجتماعي ليُعلن صاحبه نفسه صحفياً، محللاً، وربما خبيراً في الشأن الدولي أيضاً!
أين أنتم من الصحافة؟
أين أنتم من زمن كان فيه الصحفي يُمضي الليالي في البحث، يقرأ، يدقق، يكتب، يعيد الكتابة، قبل أن يجرؤ على توقيع اسمه أسفل مقال؟ أين أنتم من أخلاقيات المهنة، من التكوين، من الحد الأدنى من الثقافة العامة؟
الصحافة ليست “ستوري” على تطبيق، ولا صورة مع مسؤول تُلتقط على عجل. الصحافة مسؤولية، معرفة، وتراكم. أن تكون صحفياً يعني أن تملك أدوات الفهم قبل أدوات النشر، وأن تُدرك أن الكلمة قد تبني وعياً أو تهدمه.
أما أن تتحول إلى مجرد صدى، أو بوق ينتظر من يلقّنه ما يقول، فذلك ليس صحافة… بل إساءة لها.
في النهاية، الجالية المغربية في أوروبا، وفي بروكسيل تحديداً، أكبر وأعمق من أن تختزلها هذه الأصوات الطفيلية. هناك كفاءات حقيقية، جمعيات جادة، وأشخاص يشتغلون في صمت وبمهنية. لكنهم، للأسف، لا يجيدون “التطبيل”… ولذلك لا نسمعهم كثيراً.
وربما، في زمن الضجيج، الصمت هو آخر ما تبقى من الكرامة.