موكب على خطوط متعرجة: حين تكشف الطرق عطب السلطة في “الجزائر الجديدة”

بوشعيب البازي

في مشهد كان يفترض أن يختزل هيبة الدولة ورمزية المناسبة، خرج موكب الرئيس عبد المجيد تبون يوم عيد الفطر بالعاصمة الجزائر، متجها إلى الجامع الكبير بالجزائر، محاطا بكل ما يلزم من بروتوكول، حراسة، واستعراض للقوة. غير أن ما لم يكن في الحسبان، أن هذا “العرض الرسمي” سيتحول، في ظرف دقائق، إلى مادة ساخرة تكشف أكثر مما تخفي، وتفضح نظاما يبدو عاجزا حتى عن رسم خط مستقيم على طريق.

من الهيبة إلى الهزل… في فيديو واحد

لم يحتج الأمر سوى مقطع فيديو قصير، انتشر كالنار في الهشيم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ليقلب المشهد رأسا على عقب. في البداية، كل شيء يوحي بانضباط صارم: سيارات سوداء لامعة، دراجات نارية تتقدم الموكب، وأجهزة أمنية في أقصى درجات اليقظة. صورة نمطية لموكب رئاسي يسعى إلى تكريس “جلال الدولة”.

لكن، وكما هي الحال في كثير من العروض المصقولة بعناية، يكفي التدقيق قليلا حتى تتهاوى الواجهة. فبدل الانسيابية، برزت الفوضى. وبدل التناغم، ظهرت العشوائية. موكب طويل نعم، لكنه أقرب إلى قافلة مرتجلة منه إلى تشكيل بروتوكولي محسوب.

الطريق… الفضيحة الصامتة

غير أن البطل الحقيقي لهذا المشهد لم يكن الموكب نفسه، بل الطريق الذي سلكه. طريق حديث، واسع، يفترض أنه واجهة حضارية للعاصمة، لكنه بدا وكأنه لوحة عبثية مفتوحة على كل الاحتمالات.

خطوط مرورية متعرجة، متقطعة، متفاوتة الألوان، تفتقر لأي منطق هندسي أو جمالي. لا استقامة، لا تناسق، ولا حتى حد أدنى من الدقة. وكأن من رسمها كان في سباق مع الزمن… أو مع المنطق. مشهد أقرب إلى تمرين فاشل في الرسم الحر، منه إلى بنية تحتية لدولة تسعى إلى إظهار قوتها.

اللحظة الأكثر سريالية تجلت عند مدخل المسجد، حيث انحرفت سيارة الرئيس في لقطة بدت وكأنها مقتطف من فيلم Fast & Furious، لكن دون مؤثرات خاصة… ودون سيناريو.

ارتجال مفضوح أم سياسة ممنهجة؟

ما يكشفه هذا المشهد يتجاوز مجرد خلل تقني في طلاء الطريق. نحن أمام نموذج مصغر لطريقة اشتغال منظومة كاملة: قرارات تُتخذ على عجل، تنفيذ يتم في اللحظة الأخيرة، وغياب شبه تام لأي رقابة أو معايير جودة.

في الظروف العادية، يخضع تهيئة طريق بهذا الحجم لمراقبة صارمة، تشمل الجوانب التقنية والجمالية والأمنية. لكن في هذه الحالة، يبدو أن كل هذه المعايير قد أُسقطت سهوا… أو عمدا. والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: كيف يمكن لمثل هذا الخلل الفادح أن يمر دون محاسبة؟

ذاكرة قصيرة… وطرق أطول في العبث

الأمر الأكثر إثارة للسخرية، وربما للقلق، هو أن هذه ليست المرة الأولى. فقد وثّقت صور سابقة، تعود إلى العام الماضي، نفس الاختلالات على نفس الطريق. سنة كاملة مرت، ولم يتغير شيء. الخطوط لا تزال ملتوية، كما لو أن هناك إصرارا على الحفاظ على هذا “الطابع الفني الفريد”.

إنه نوع من “الاستمرارية”، لكن ليس تلك التي تبشر بالإصلاح، بل تلك التي تكرس العبث.

بين الاستعراض والواقع

في المقابل، حين نقارن هذا المشهد بما يجري في دول أخرى—تلك التي تحرص السلطة الجزائرية على استلهام نماذجها—تبدو المفارقة صارخة. هناك، تتسم المواكب الرسمية بالبساطة والدقة، حيث الانضباط هو الرسالة، لا الضجيج. أما هنا، فكلما ارتفع منسوب الاستعراض، انكشف حجم الخلل.

حين تعجز السلطة عن رسم خط

قد يبدو الأمر، للوهلة الأولى، مجرد تفصيل ثانوي: خطوط طريق غير متقنة. لكن في العمق، المسألة أبعد من ذلك بكثير. إنها استعارة حية لوضع سياسي وإداري مأزوم.

سلطة لا تستطيع ضمان استقامة خطوطها على الأرض، كيف يمكنها أن ترسم مسارا واضحا لمستقبل بلد؟ نظام يكتفي بمحاكاة مظاهر الدولة، دون أن يمتلك أدواتها الفعلية، لا ينتج سوى هذا النوع من المشاهد: صاخبة في ظاهرها، فارغة في جوهرها.

في النهاية، لم يكن ذلك الموكب مجرد تنقل رئاسي نحو صلاة العيد، بل كان—دون قصد—عرضا مكثفا لحقيقة “الجزائر الجديدة”: طرق متعرجة، قرارات مرتجلة، وهيبة تُرسم… ثم تنحرف عند أول منعطف.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com