المغرب يدعو إلى عدم تهميش القضية الفلسطينية وسط تصاعد التوترات الإقليمية

بوشعيب البازي

بروكسل: في سياق إقليمي متوتر تتقاطع فيه الأزمات وتتداخل فيه أولويات الفاعلين الدوليين، برز الموقف المغربي مجدداً كصوت داعٍ إلى إعادة التوازن في مقاربة القضايا الجيوسياسية في الشرق الأوسط، من خلال التأكيد على مركزية القضية الفلسطينية، رغم تصاعد التوترات في منطقة الخليج.

فخلال مؤتمر صحافي عُقد بالعاصمة الرباط، شدد وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، على أن التطورات الجارية في الخليج، على خلفية الهجمات الإيرانية التي استهدفت دولاً عربية، لا ينبغي أن تصرف الأنظار عن “التطورات المقلقة” التي تعرفها الأراضي الفلسطينية، سواء في قطاع غزة أو في الضفة الغربية.

إعادة ترتيب الأولويات الإقليمية

يندرج هذا التصريح في إطار مقاربة دبلوماسية مغربية تقليدية تقوم على مبدأ عدم تجزئة الأزمات، ورفض خلق تراتبية انتقائية بين القضايا الإقليمية. فالمملكة، التي تربطها علاقات استراتيجية مع عدد من دول الخليج، عبّرت بوضوح عن رفضها للاعتداءات التي تهدد أمن هذه الدول، لكنها في الآن ذاته حذرت من الانزلاق نحو إهمال القضية الفلسطينية، التي تظل، في نظر الرباط، جوهر الاستقرار الإقليمي.

وتعكس هذه المقاربة وعياً مغربياً بكون تعدد بؤر التوتر في المنطقة قد يؤدي إلى “تشتيت الانتباه الدولي”، بما يسمح بفرض وقائع ميدانية جديدة على الأرض الفلسطينية، بعيداً عن ضغط المجتمع الدولي أو آليات المحاسبة.

تصاعد الانتهاكات وإعادة تشكيل الواقع الميداني

تشير المعطيات الميدانية إلى تصاعد وتيرة الانتهاكات في الأراضي الفلسطينية، خصوصاً في الضفة الغربية ومدينة القدس، حيث تتزايد عمليات مصادرة الأراضي، والتوسع الاستيطاني، إلى جانب القيود المفروضة على حرية العبادة، خاصة في محيط المسجد الأقصى خلال شهر رمضان.

وفي هذا السياق، حذر بوريطة من أن ما تشهده القدس من “تضييق وهجمات” يبعث على “قلق شديد”، معتبراً أن هذه الإجراءات لا يمكن فصلها عن سياق أوسع يهدف إلى إعادة تشكيل الواقع الديمغرافي والجغرافي في الأراضي الفلسطينية.

ويرى عدد من المحللين أن هذه السياسات تندرج ضمن استراتيجية ممنهجة لفرض أمر واقع جديد، مستفيدة من انشغال المجتمع الدولي بأزمات أخرى، لاسيما التصعيد العسكري في الخليج.

الترابط بين مساري غزة والضفة الغربية

من بين النقاط المركزية التي أبرزها الموقف المغربي، التأكيد على الترابط العضوي بين استقرار الضفة الغربية وأي مسار سياسي أو أمني في قطاع غزة. إذ شدد الوزير المغربي على أن “استقرار الضفة الغربية أساسي لنجاح أي عملية تتعلق بغزة”، في إشارة إلى أن أي مقاربة جزئية للأزمة الفلسطينية تبقى محكومة بالفشل.

كما دعا إلى ضرورة العودة إلى التهدئة، والانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة السلام الأمريكية الخاصة بغزة، والتي تعرف تعثراً في ظل التصعيد الإقليمي الأخير.

بين الدبلوماسية متعددة الاتجاهات ومخاطر التهميش

يأتي هذا الموقف في وقت انخرط فيه المغرب ضمن آليات دولية جديدة، من بينها مجلس السلام المشرف على تنفيذ الخطة الأمريكية، ما يعكس رغبة الرباط في لعب دور فاعل في إعادة إحياء المسار السياسي.

غير أن هذا الانخراط يصطدم بواقع إقليمي معقد، يتمثل في تزايد حدة المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها، وهو ما أدى إلى إعادة ترتيب أولويات القوى الكبرى، على حساب ملفات تقليدية، في مقدمتها القضية الفلسطينية.

يمكن قراءة التصريحات المغربية باعتبارها محاولة لإعادة توجيه البوصلة الدبلوماسية الدولية نحو القضية الفلسطينية، في لحظة إقليمية حرجة تتسم بتعدد الأزمات وتنافس الأولويات. فالمغرب، من خلال هذا الخطاب، لا يكتفي بالتعبير عن موقف سياسي، بل يسعى إلى ترسيخ رؤية تعتبر أن الاستقرار في الشرق الأوسط يظل رهيناً بإيجاد حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية، بعيداً عن منطق التدبير الظرفي للأزمات.

وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبقى السؤال مطروحاً حول قدرة الفاعلين الدوليين على الحفاظ على توازن دقيق بين معالجة التوترات الآنية، وعدم التفريط في القضايا البنيوية التي تشكل أساس الاستقرار الإقليمي على المدى البعيد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com