من الردع إلى إعادة رسم التوازنات: سيناريو جيوستراتيجي لحرب مفترضة بين المغرب والجزائر
بوشعيب البازي
في عالم تتقاطع فيه المصالح الطاقية مع الحسابات العسكرية، يبرز شمال إفريقيا كأحد الفضاءات المرشحة لاهتزازات جيوسياسية عميقة. في هذا الإطار، يطفو إلى السطح سيناريو افتراضي بالغ التعقيد: تعرض الجزائر لضربات عسكرية أولية من قبل الولايات المتحدة وفرنسا، على خلفية توترات مرتبطة بإعادة تشكيل سوق الطاقة العالمية، خاصة بعد مؤشرات على رغبة الجزائر في التحرر من الأنظمة المالية التقليدية في تسويق مواردها الطاقية.
ضمن هذا التصور، تجد الجزائر نفسها أمام ضغط خارجي غير مسبوق، ما يدفعها – في محاولة لإعادة توجيه الصراع وتوحيد الجبهة الداخلية – إلى الرد عسكرياً، ليس فقط تجاه القوى الغربية بشكل غير مباشر، بل عبر استهداف المغرب، باعتباره، في هذا السيناريو، جزءاً من منظومة إقليمية يُشتبه في تنسيقها مع تلك القوى. وهنا تبدأ لحظة التحول: من توتر مزمن إلى مواجهة مفتوحة.
غير أن هذا التصعيد يصطدم بمعطى حاسم: المغرب لم يعد ذلك الفاعل العسكري التقليدي، بل تحول خلال العقد الأخير إلى قوة إقليمية صاعدة في مجال الدفاع الجوي، عبر بناء ما يمكن وصفه بـ”جدار الصمت الجوي” – منظومة دفاعية متعددة الطبقات، تدمج تكنولوجيا أمريكية وإسرائيلية وصينية ضمن بنية قيادة وتحكم متقدمة من نوع C4I.
في قلب هذه المنظومة، يبرز نظام FD-200B الصيني (النسخة التصديرية من HQ-9) كعمود فقري للردع بعيد المدى. هذا النظام لا يكتفي برصد التهديدات، بل يمنح المغرب قدرة على فرض حظر جوي فعلي على مساحات واسعة، بفضل مداه الكبير ودقته في اعتراض الأهداف عالية السرعة، بما في ذلك الصواريخ الباليستية. إنه سلاح استراتيجي بامتياز، يعيد تعريف مفهوم السيادة الجوية في المنطقة.
إلى جانبه، يأتي نظام Sky Dragon 50 ليؤدي دور الحلقة الوسيطة، حيث يوفر تغطية مرنة ومتوسطة المدى ضد التهديدات منخفضة الارتفاع، مثل الطائرات المسيرة والصواريخ المجنحة. هذا النظام، بخفة حركته وسرعة نشره، يشكل درعاً تكتيكياً يحمي العمق الاستراتيجي من الاختراقات المفاجئة.
أما على مستوى الدفاع القريب والمتعدد المهام، فتبرز الأنظمة الإسرائيلية، وعلى رأسها Barak وSPYDER، كأدوات عالية الدقة في مواجهة التهديدات المعقدة. هذه الأنظمة لا تشتغل بشكل منفصل، بل كجزء من شبكة ذكية قادرة على التعامل مع هجمات متزامنة، وتحييد أهداف متعددة في زمن قياسي، ما يعزز مناعة المجال الجوي المغربي.
ولا يمكن إغفال الدور المحوري لنظام Patriot الأمريكي، الذي يضيف طبقة إضافية من الحماية ضد الصواريخ الباليستية، مستفيداً من خبرة عملياتية واسعة وتكامل عالٍ مع البنية الغربية لنظم القيادة والسيطرة.
غير أن ما يمنح هذه “الفسيفساء الدفاعية” قوتها الحقيقية ليس فقط تنوعها، بل قدرتها على العمل كوحدة متكاملة بفضل نظام C4I، الذي يربط بين الرادارات، ومنصات الإطلاق، ومراكز القرار، في شبكة واحدة تتيح استجابة فورية ودقيقة. هنا، لا تعود الصواريخ مجرد أدوات، بل تتحول إلى “لغة موحدة” داخل منظومة ذكية.
في حال تعرض المغرب لهجوم جزائري، فإن هذه المنظومة قد تمكّنه من امتصاص الضربة الأولى، بل وتحويلها إلى تفوق جوي سريع، يمهد لمرحلة ثانية أكثر حساسية: نقل المعركة إلى العمق الاستراتيجي. في هذا السياق، قد يسعى المغرب إلى تحييد القدرات العسكرية في غرب الجزائر، وفرض واقع ميداني جديد، خاصة في المناطق ذات الحمولة التاريخية، مثل ما يُعرف بـ”الصحراء الشرقية”.
وفي هذا السيناريو، يصبح دخول المغرب الحرب ليس فقط ردّ فعل دفاعي، بل لحظة إعادة تموضع تاريخي؛ إذ إن التفوق الجوي والسيطرة العملياتية قد يفتحان المجال أمام تقدم ميداني يعيد طرح ملف “الصحراء الشرقية” ضمن معادلة القوة على الأرض. فاسترجاع هذه المناطق، وفق هذا التصور، لن يكون مجرد هدف رمزي، بل نتيجة مباشرة لاختلال ميزان القوى لصالح الرباط، وقدرتها على فرض واقع جغرافي جديد مستند إلى تفوق عسكري وتكنولوجي.
لكن، ورغم هذا التفوق المفترض، تبقى الحرب خياراً بالغ الكلفة. فالصراع بين دولتين بحجم المغرب والجزائر لن يكون مجرد مواجهة عسكرية، بل زلزالاً إقليمياً يهدد استقرار المغرب الكبير، ويفتح الباب أمام تدخلات دولية معقدة.
في المحصلة، يكشف هذا السيناريو – رغم طابعه الافتراضي – عن حقيقة أساسية: أن موازين القوة في المنطقة لم تعد تُقاس فقط بعدد الجنود أو حجم الترسانة، بل بمدى القدرة على دمج التكنولوجيا، وإدارة المعركة في الزمن الحقيقي، وفرض السيطرة على السماء قبل الأرض. وبين الردع والانفجار، تظل المنطقة معلقة على خيط رفيع من الحسابات الاستراتيجية، حيث يمكن لأي شرارة أن تعيد رسم الخرائط، أو أن تفتح أبواب فوضى لا يمكن التحكم في مآلاتها.