صالون الأحلام المكسورة في بروكسل: حين تتحول استثمارات الجالية المغربية إلى سوق للوهم المُنظَّم

بوشعيب البازي

في قلب بروكسل، حيث تتحول الأحلام أحيانًا إلى مجسمات بلاستيكية مصقولة وكتيبات لامعة أكثر إقناعًا من الواقع نفسه، قررت الجالية المغربية هذه المرة أن تُمارس فعلًا نادرًا في سوق العواطف: المقاطعة.

لا تصفيق، لا توقيع، ولا حتى مجاملة دبلوماسية. وحده الصمت كان حاضرًا… لكنه صمت ثقيل، مدوٍّ، ومشحون بذاكرة طويلة من الخيبات.

مقاطعة صامتة… لكنها مدوية

لم تكن هذه المقاطعة نزوة جماعية أو رد فعل ظرفي، بل نتيجة تراكم بنيوي لسنوات من الاختلالات في علاقة غير متكافئة بين مُسوّقين بارعين وجالية مُحمّلة بحنينها.

صفقات “sur plan” التي تُسوَّق بوصفها استثمارًا عقلانيًا، تشتغل في الواقع ضمن اقتصاد عاطفي، حيث يُستثمر الانتماء قبل الأموال.

الجالية المغربية، التي طالما وُضعت في خانة “الزبون المميز”، اكتشفت متأخرة أنها كانت تؤدي دورًا آخر: الضحية النموذجية في معادلة تجمع بين البعد الجغرافي والهشاشة المعلوماتية والثقة غير المشروطة.

عندما يتحول “الحلم المغربي” إلى كابوس عقاري

من منظور تحليلي، يمكن توصيف ما يحدث كفجوة كلاسيكية بين “التمثّل” و”التحقق”.

التصاميم ثلاثية الأبعاد، العروض الترويجية، والوعود الزمنية الدقيقة، كلها أدوات تُنتج واقعًا افتراضيًا متماسكًا… إلى أن يصطدم المستثمر بما يسميه علماء الاجتماع الاقتصادي بـ”صدمة الواقع”.

شقق لا تُسلَّم في آجالها، أخرى تُسلَّم بمواصفات مختلفة، وبعضها يظل حبيس الأوراق.

وبين الوعد والتنفيذ، تتآكل الثقة تدريجيًا، بينما تظل آلة التسويق تعمل بكفاءة لافتة، وكأنها مستقلة تمامًا عن نتائجها.

من ينظم؟ ومن فوضه أصلاً؟

هنا تنزلق القصة من تحليل اقتصادي إلى مفارقة مؤسساتية.

الفاعل المركزي في هذا المشهد، سمير الشماع، يواصل إدارة هذه التظاهرات منذ سنوات، دون أن يطرح حضوره أسئلة كافية حول الشرعية أو المساءلة.

في علم الحوكمة، يُفترض أن ترتبط المسؤولية بالقرب من المعنيين. لكن في هذه الحالة، يبدو أن تنظيم معارض موجهة لمغاربة العالم أصبح نشاطًا عابرًا للهوية، لا يتطلب لا تمثيلية حقيقية ولا ارتباطًا بالمصلحة الجماعية.

السؤال الذي يطفو بإلحاح: أين الفاعلون المغاربة؟

هل غابت الكفاءات، أم أن المجال تُرك عمدًا لمنطق الربح السريع، حيث لا مكان لتعقيدات الأخلاق أو المحاسبة؟

الأمن الخاص… لضبط الغضب لا لضبط السوق

في مفارقة تكاد تكون كاريكاتورية، يتم التعامل مع الاحتجاجات لا بوصفها مؤشرًا على خلل السوق، بل كتهديد لنجاح التظاهرة.

حراس الأمن الخاص حاضرون بكثافة، ليس لضمان شفافية المعاملات، بل لضمان انسيابية الصورة.

إنه انتقال لافت من تنظيم السوق إلى تنظيم الانطباع.

فالهدف لم يعد حماية المستثمر، بل حماية الحدث من المستثمر الغاضب.

دبلوماسية الحضور… أم شرعنة الصمت؟

الأكثر إثارة للجدل، وربما للسخرية المؤلمة، هو أن بعض الدبلوماسيين المغاربة في بلجيكا يحضرون هذه الصالونات بانتظام، في مشهد يُقرأ داخل الجالية كتشجيع ضمني أكثر منه مجرد تمثيل بروتوكولي.

هذا الحضور، بدل أن يطمئن، يُعطي الانطباع بأن كل شيء “تحت السيطرة”، بينما الواقع يكشف عكس ذلك تمامًا.

في أدبيات العلاقات الدولية، يُفترض أن تكون الدبلوماسية أداة حماية للمواطنين في الخارج، لا مجرد ديكور رسمي يُضفي المشروعية على فضاءات مشكوك في مصداقيتها.

ممنوع التصوير… حتى لا تُفضح الصورة

وإذا كانت الشفافية معيارًا أساسيًا لأي سوق سليم، فإن ما يحدث داخل هذه الصالونات يسير في الاتجاه المعاكس تمامًا.

الصحافة تجد نفسها أمام قاعدة غير مكتوبة لكنها صارمة: التصوير ممنوع.

ليس حرصًا على الخصوصية، بل خوفًا من تسرب صور قد تفضح الاختلالات، أو توثق احتجاجات، أو ببساطة تكسر الرواية الرسمية للحدث.

إنه منطق بسيط: إذا لم تُصوَّر الفضيحة… فهي لم تقع.

حتى “الدقة المراكشية” لم تسلم من الحسابات

في مشهد يكاد يلخص العبث بأكمله، لم تسلم حتى الفرق الفنية التراثية من منطق “الاقتطاع”.

فرقة “الدقة المراكشية”، التي استُدعيت لإضفاء لمسة فولكلورية على المعرض، وجدت نفسها ضحية تفاوض غريب: بدل 1500 يورو، لم تتلق سوى 700 يورو.

والأكثر سخرية أن التبرير كان صريحًا إلى حد الفجاجة، حيث نُقل عن بعض الوسطاء، ومن بينهم أشخاص مثل مولاي علي والإدريسي، قولهم بالحرف:

“حتى حنا خاصنا ناكلوا”.

حين يصبح التراث نفسه مجالًا للاقتطاع، ندرك أننا أمام منظومة لا تستثني أحدًا… لا المستثمر، ولا الفنان، ولا حتى الصورة التي يُراد تلميعها.

هروب جماعي نحو بدائل أكثر أمانًا

في ظل هذا التآكل المستمر للثقة، بدأت الجالية المغربية تعيد توجيه بوصلتها الاستثمارية نحو أسواق بديلة، مثل إسبانيا و تركيا، حيث تبدو القواعد أكثر وضوحًا، والضمانات أكثر صرامة.

المفارقة هنا أن هذه الأسواق لا تبيع “الحنين”، بل تبيع منتجًا قانونيًا محكومًا بضوابط دقيقة.

عقود أقل شاعرية، نعم… لكنها أيضًا أقل خيانة.

من يبيع الوهم… سيشتري المقاطعة

ما حدث في بروكسل لا يمكن اختزاله في فعل مقاطعة ظرفي، بل هو تعبير عن تحول عميق في وعي الجالية المغربية.

فالعلاقة مع الوطن، مهما كانت متجذرة، لم تعد كافية لتبرير مغامرات استثمارية غير مؤطرة.

لقد انتقلت الجالية من موقع “المستثمر الحالم” إلى “الفاعل الحذر”، ومن الثقة العاطفية إلى المساءلة العقلانية. وفي هذا التحول، رسالة واضحة لكل الفاعلين: الثقة لا تُسوَّق… بل تُبنى. أما السؤال الذي سيظل معلقًا، بسخرية لا تخلو من مرارة:

هل سيتعلم “صالون العقار” أخيرًا أن الواقع لا يُدار بالكتيبات… أم سيواصل بيع الأحلام إلى أن ينفد الحالمون؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com