الزراعة المعيشية في المغرب القروي: إرث منسي وضرورة استراتيجية للأمن الغذائي

الدكتور عبد الله بوصوف

Screenshot

عيد هذا العام كان فرصة للعودة إلى القرى، إلى الأرض التي تشهد على حياة أجيال، حيث يبدو كل شيء بسيطًا، لكنه يحمل رسائل عميقة. بعد موسم مطير أعاد الحياة للتربة، بدت الحقول وكأنها قد أطلّت على زوارها بأجمل ثوب، سخية بالعطاء: فول وجلبان، بطاطس وطماطم، نعناع وقزبور وبصل… محاصيل بسيطة، لكنها كانت يومًا بعد يوم صمام الأمان للساكنة القروية، تضمن الحد الأدنى من الاكتفاء الذاتي، وتحافظ على توازن اجتماعي واقتصادي دقيق.

غير أن هذا الجمال يخفي حقيقة مريرة: مساحات شاسعة من الأراضي صارت خاوية، لم تعد تُزرع، ولم تعد تؤمن قوت اليوم كما كانت في الماضي. الزراعة المعيشية، ذلك العمود الفقري للحياة القروية، باتت تهددها سياسات عابرة المراحل، تركز على الزراعات الكبرى والتصديرية، متجاهلة الدور الحيوي الذي لعبته هذه الزراعة في استقرار القرى وضمان الأمن الغذائي المحلي.

إن المشهد الحالي يكشف هشاشة نموذجنا الاقتصادي: القرويون باتوا يعتمدون على الأسواق، وعلى منتجات تنقل من مئات الكيلومترات، ما يرفع الأسعار ويجعلهم عرضة لتقلبات السوق العالمية. فقدان القدرة على الإنتاج المحلي لم يكن مجرد إشكالية اقتصادية، بل أصبح أزمة اجتماعية تهدد النسيج القروي نفسه، فتزيد من الهجرة، وتخلق فجوة بين الإنسان وأرضه، وبين الأجيال القادمة وإرثها الزراعي.

الأسباب متعددة وواضحة: الهجرة القروية التي أفرغت الحقول من أيدي أهلها، ضعف الإمكانيات لدى صغار الفلاحين، غياب التأطير والدعم المناسبين، وتجاهل السياسات الزراعية للزراعة المعيشية. كل ذلك أدى إلى إضعاف ما كان يومًا نموذجًا متوازنًا، قائمًا على الإنتاج المحلي والاكتفاء الجزئي، ويضمن الاستقرار الاجتماعي ويحد من النزوح.

إن إعادة الاعتبار للزراعة المعيشية لم تعد رفاهية، بل ضرورة استراتيجية. فدعم صغار الفلاحين، وتمكينهم من وسائل الإنتاج الأساسية، وتحسين الولوج إلى الماء، وتشجيع التعاونيات، كلها خطوات عاجلة لإحياء هذا القطاع. كما أن تبني مخطط أخضر موجه خصيصًا للزراعة المعيشية لن يكون مجرد مشروع اقتصادي، بل أداة استراتيجية لتعزيز الأمن الغذائي، حماية القرى من الهجرة، وتحقيق استقرار اجتماعي مستدام.

الأزمات العالمية الأخيرة، من جائحة كورونا إلى اضطرابات سلاسل الإمداد، أكدت هشاشة النماذج الاقتصادية التي تعتمد على الخارج كليًا. أما الزراعة المعيشية، فهي نموذج ذكي ومستدام، يعيد التوازن بين الإنسان وأرضه، ويمنح القرى فرصة جديدة للحياة، فرصة تعتمد على المعرفة التقليدية، والجهد المحلي، والإبداع في الاستفادة من الموارد المتاحة.

إن إنقاذ هذا الإرث ليس مجرد حنين إلى الماضي، بل هو استثمار استراتيجي في المستقبل. إنه استثمار في الأمن الغذائي، في الكرامة الاقتصادية، وفي استقرار المجتمعات القروية. ومن دون هذا الدعم، سيظل المغرب القروي عرضة للتهميش والهجرة، وسيستمر نموذج الاقتصاد القائم على الاستيراد في تعميق الفجوة بين المدن والقرى، بين الإنتاج والاستهلاك، بين الإنسان وأرضه.

إن الزراعة المعيشية هي أكثر من مجرد نشاط اقتصادي؛ إنها شبكة أمان اجتماعية، وضمانة للاستقرار، وفرصة للحفاظ على إرث ثقافي وحضاري غاية في الأهمية. الاستثمار فيها اليوم هو استثمار في مستقبل المغرب القروي، ومستقبل الأمن الغذائي الوطني، ومستقبل الاستقرار الاجتماعي الذي لا يمكن أن يتحقق إلا بالعودة إلى الأرض وإعادة الاعتبار لأولئك الذين جعلوها مصدر الحياة والعطاء على مدى قرون.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com