مضيق باب المندب: الرئة الثانية للاقتصاد العالمي تحت تهديد التصعيد العسكري

بوشعيب البازي

بروكسل : يشكل مضيق باب المندب أحد أهم الممرات الاستراتيجية البحرية في العالم، بعد مضيق هرمز، إذ يمثل شريانًا حيويًا لنقل الطاقة والغذاء، ويؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد العالمي. ويأتي تهديد هذا المضيق في سياق تصاعد الأزمة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، إذ بدأت طهران منذ 2 مارس 2026 تقيد الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر منه يوميًا نحو 21 مليون برميل نفط، أي خمس الاستهلاك العالمي، و25% من تجارة الغاز الطبيعي المسال.

تصاعد التوترات الإقليمية وأثرها على باب المندب

يأتي هذا التطور ردًا على الهجمات الإسرائيلية والأميركية المستمرة على إيران منذ 28 فبراير، ومع بوادر انخراط جماعة الحوثي اليمنية بقوة في الرد الإيراني، بات مضيق باب المندب مهددًا بالتصعيد، ما يشي بإمكانية اختناقه أو إغلاقه، وهو ما سيضاعف تداعيات الحرب على أسعار الطاقة والغذاء عالميًا.

وقد أكدت التصريحات الإيرانية، عبر وكالة “تسنيم”، أن أي هجوم أميركي على جزيرة خارك سيخلق حالة من عدم الاستقرار في البحر الأحمر ومضيق باب المندب ويجعله هدفًا للمقاومة، كما شددت على قدرة إيران على تهديد المضيق في حال تعرضت أراضيها للغزو الأميركي. وفي المقابل، أكد الحوثيون، عبر المتحدث العسكري يحيى سريع ومسؤول الإعلام محمد منصور، أن التدخل العسكري المباشر وإغلاق المضيق من بين الخيارات المطروحة للرد على الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران.

أهمية مضيق باب المندب عالميًا

يقع المضيق بين اليمن في آسيا وكل من جيبوتي وإريتريا في إفريقيا، ويبلغ عرضه في أضيق نقطة نحو 30 كيلومترًا، ويربط البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب والمحيط الهندي، ومنه عبر قناة السويس إلى البحر الأبيض المتوسط. ويعد المضيق نقطة عبور رئيسية لنحو 12 إلى 15% من التجارة الدولية المتجهة إلى أوروبا والولايات المتحدة وآسيا، بما في ذلك الصين والهند وسنغافورة، كما يمر عبره نحو 25% من الغاز الطبيعي المسال الذي تصل به أوروبا.

وقد سجلت تجارة المضيق سنويًا شحنات بقيمة تقارب 700 مليار دولار في طريقها إلى قناة السويس والبحر الأبيض المتوسط. وتعكس هذه الأرقام أهمية المضيق في الحفاظ على استقرار سلاسل الإمداد العالمية، لا سيما في قطاع الطاقة والغذاء.

انعكاسات الإغلاق المحتمل على الاقتصاد العالمي

يشير خبراء الإمداد والتوريد إلى أن تهديدات الحوثيين وإيران لمضيق باب المندب، بالتوازي مع أزمة مضيق هرمز، ستؤدي إلى اضطراب حاد في أسواق الطاقة والغذاء. ويشرح الخبير الجزائري نصر الدين بوغاشيش أن أي إغلاق محتمل سيدفع السفن إلى تغيير مساراتها عبر رأس الرجاء الصالح، وهو مسار أطول بنحو 6 آلاف ميل بحري، ما يرفع كلفة النقل البحري والتأمين، ويؤثر مباشرة على المستهلك النهائي في أوروبا وشمال إفريقيا، إضافة إلى تراجع إيرادات قناة السويس.

ويضيف عبد الستار الشميري، رئيس مركز “جهود للدراسات” باليمن، أن أي مناورة لإغلاق المضيق ستنعكس سلبًا على الاقتصاد العالمي، وستكون الصين من أبرز المتضررين، إذ تمر عبر البحر الأحمر صادرات وواردات تصل قيمتها إلى 300 مليار دولار سنويًا. ويشير الشميري إلى أن القوات الدولية قد تمنع الإغلاق الكامل للمضيق، لكن إرباك التجارة العالمية يبقى واردًا، ما سيكون بمثابة كارثة اقتصادية عالمية.

تداخل النزاع العسكري مع الاقتصاد العالمي

يتزامن هذا التهديد مع تصعيد عسكري في المنطقة، حيث شنت إسرائيل منذ 2 مارس هجمات على لبنان، ما أسفر عن أكثر من ألف قتيل وآلاف الجرحى والنازحين، فيما ردت إيران وحليفها حزب الله بصواريخ ومسيّرات على إسرائيل، وأدت الهجمات الإيرانية إلى مقتل وإصابة العشرات من العسكريين الأميركيين. وفي هذا السياق، يمثل باب المندب نقطة حرجة قد تتحول إلى مسرح عمليات عسكرية، ما سيؤدي عمليًا إلى إغلاقه، ويزيد الأزمة الاقتصادية العالمية تعقيدًا.

كما أن تكرار استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر، كما حصل أثناء الحرب على غزة 2023-2025، يوضح حجم التأثير المحتمل على سلاسل الإمداد، إذ أضطرت شركات كبرى مثل ميرسك لتغيير مسارات الشحن إلى طريق أطول، مع ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وخسائر قاربت 10 مليارات دولار لقناة السويس، وفق تصريحات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

يبقى مضيق باب المندب اليوم تحت تهديد متعدد الأبعاد، يجمع بين التوتر العسكري الإقليمي والتداعيات الاقتصادية العالمية. وفي حال تصعيد النزاع، ستتضاعف تكلفة الطاقة والغذاء، وستزداد أعباء التضخم، بينما ستضطر القوى الاقتصادية الكبرى إلى إعادة تقييم مسارات التجارة البحرية. لذلك، فإن أي حل سياسي أو مفاوضات دولية لاحتواء الأزمة سيكون له تأثير مباشر على استقرار الأسواق العالمية وأمن الطاقة والغذاء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com