أزمة الخطاب السياسي في المغرب: بين التعبئة الانتخابية ومحدودية المصداقية
مجدي فاطمة الزهراء
في سياق التحولات السياسية التي يشهدها المغرب مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، يعود النقاش حول فعالية الخطاب الحزبي وقدرته على استقطاب المواطنين، خاصة فئة الشباب، إلى واجهة التحليل السياسي. ويبرز في هذا الإطار خطاب بعض قيادات الأحزاب المعارضة، وعلى رأسهم نبيل بنعبدالله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، الذي يدعو إلى تعبئة واسعة للمشاركة الانتخابية باعتبارها أداة للتغيير ومحاسبة الحكومة.
غير أن هذا الخطاب، رغم طابعه التعبوي، يطرح إشكالية جوهرية تتعلق بـمدى مصداقية الفاعل السياسي نفسه. فالدعوة إلى معاقبة الحكومة على ما لم تقدمه، تبدو في ظاهرها منسجمة مع منطق التداول الديمقراطي، لكنها في العمق تثير تساؤلات حول موقع الأحزاب التي ظلت، لسنوات طويلة، جزءًا من المشهد الحكومي أو داعمة له بشكل مباشر أو غير مباشر. وهنا يبرز التناقض بين الخطاب النقدي الحالي والمسار السياسي السابق، وهو ما يضعف من قوة الرسالة الموجهة إلى الناخبين.
لقد حاول نبيل بنعبدالله في مداخلاته الأخيرة تقديم نفسه كصوت معارض حاد، منتقدًا ما وصفه بفشل الحكومة وتراجع الثقة في العمل السياسي. غير أن هذا التحول في النبرة لا يخفي حقيقة أن الأداء السياسي للحزب منذ سنوات لم يفرز دينامية قوية قادرة على إقناع فئات واسعة من المجتمع، خاصة الشباب الذين يُفترض أنهم الفئة المستهدفة الأولى من هذا الخطاب التعبوي.
في هذا السياق، يبرز إشكال أعمق يتعلق بطبيعة الخطاب السياسي نفسه، الذي يميل في كثير من الأحيان إلى التصعيد اللفظي والرمزية الشعبوية بدل تقديم برامج واقعية قابلة للتنفيذ. وقد أثارت بعض التصريحات السابقة لنبيل بنعبدالله، التي اتسمت بطابع انفعالي أو غير منضبط، جدلاً واسعًا في الرأي العام، واعتُبرت من قبل العديد من المتابعين مؤشرًا على أزمة في ضبط الخطاب السياسي وتراجع في مستوى النخبة الحزبية.
إن مثل هذه التصريحات، بدل أن تعزز الثقة، تساهم في تغذية صورة سلبية عن الفاعل السياسي، خاصة في ظل سياق يتسم بارتفاع منسوب الوعي لدى المواطنين، وتنامي النقد تجاه الخطابات التقليدية التي لم تعد تقنع الناخب المغربي. فالشباب اليوم لا يبحث فقط عن شعارات التغيير، بل عن نماذج سياسية تقدم مصداقية، كفاءة، ورؤية واضحة للمستقبل.
من جهة أخرى، فإن الحديث عن “شراء الأصوات” و”الأساليب الفاسدة” في الانتخابات، رغم أهميته في إطار الرقابة السياسية، يظل غير كافٍ إذا لم يُقرن بـنقد ذاتي صريح للأحزاب التي لم تنجح في تجديد نخبها أو تطوير أدواتها التواصلية والتنظيمية. فالأزمة ليست فقط في المنافسين، بل في البنية الحزبية نفسها التي تعاني من ضعف التأطير وتراجع الحضور الميداني.
كما أن الجدل الذي رافق التفاعل الرقمي مع ظهور بنعبدالله في وسائل الإعلام، وما أثير حول الحسابات الوهمية، يعكس بدوره تحول المعركة السياسية إلى الفضاء الرقمي، حيث أصبحت المصداقية مرتبطة بقدرة الأحزاب على بناء تفاعل حقيقي، لا مجرد حضور افتراضي قابل للتشكيك. وهذا يطرح تحديًا إضافيًا أمام الفاعلين السياسيين، يتمثل في ضرورة التمييز بين التواصل الحقيقي والتضخيم الرقمي المصطنع.
في المقابل، يشير عدد من الباحثين، ومنهم أستاذ القانون العام العباس الوردي، إلى أن مشاركة الشباب تظل رهانًا مركزيًا في تعزيز الديمقراطية المغربية، لكن تحقيق ذلك يتطلب مقاربات جديدة تتجاوز الخطاب التقليدي. فالتعبئة الانتخابية لا يمكن أن تقوم فقط على انتقاد الحكومة، بل يجب أن تستند إلى مشروع سياسي واضح، تواصل ميداني فعال، وقدرة على بناء الثقة مع المواطن.
إن استحقاقات 2026 لن تكون مجرد محطة انتخابية عادية، بل تمثل اختبارًا حقيقيًا لمصداقية الخطاب السياسي في المغرب. فالأحزاب، سواء في المعارضة أو الأغلبية، مطالبة بتقديم إجابات ملموسة على انتظارات المواطنين، بدل الاكتفاء بإعادة إنتاج نفس الخطابات التي فقدت جزءًا كبيرًا من تأثيرها.
في هذا الإطار، يمكن القول إن التحدي الذي يواجه شخصيات مثل نبيل بنعبدالله لا يكمن فقط في رفع منسوب الخطاب النقدي، بل في إعادة بناء الثقة من خلال الممارسة السياسية الفعلية. فالمواطن المغربي، خاصة في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية الراهنة، أصبح أكثر قدرة على التمييز بين الخطاب والممارسة، وبين الشعارات والإنجازات.
وفي النهاية، فإن مستقبل المشاركة السياسية في المغرب سيظل مرتبطًا بمدى قدرة الفاعلين السياسيين على تجديد خطابهم، تطوير أدواتهم، وتقديم نماذج قيادية قادرة على إقناع جيل جديد من الناخبين. أما الاكتفاء بالخطاب التصعيدي أو التبريري، فلن يؤدي إلا إلى تعميق أزمة الثقة التي تعاني منها الحياة السياسية، وإلى مزيد من العزوف الانتخابي، الذي يشكل التحدي الأكبر أمام الديمقراطية المغربية.