واشنطن بين التصعيد والردع: هل تقترب المواجهة مع طهران من لحظة الحسم؟

بوشعيب البازي

بروكسل – تتسارع وتيرة التحركات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط على نحو لافت، في مؤشر واضح على انتقال المواجهة مع إيران من مرحلة الرسائل الجوية والضربات المحدودة إلى أفق أكثر حساسية قد يشمل تدخلاً بريًا مباشرًا. فبحسب تسريبات من دوائر القرار في العاصمة الأميركية، تعمل وزارة الدفاع على وضع اللمسات الأخيرة لسيناريوهات عملياتية معقدة، تمتد لأسابيع، وتجمع بين تدخلات القوات الخاصة وتحركات وحدات المشاة التقليدية، في مزيج يعكس تحولًا نوعيًا في طبيعة التفكير الاستراتيجي الأميركي تجاه طهران.

هذا التحول لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الأوسع للصراع، حيث لم تعد الضربات الجوية كافية لتحقيق الأهداف المعلنة، سواء المرتبطة بإضعاف القدرات العسكرية الإيرانية أو كبح نفوذها الإقليمي. بل يبدو أن واشنطن بدأت تدرس خيارات أكثر جرأة، قد تشمل تحركات ميدانية داخل الأراضي الإيرانية، سواء للسيطرة المؤقتة على مواقع حساسة أو لتنفيذ عمليات دقيقة تستهدف البنية العسكرية والتكنولوجية المرتبطة ببرامج طهران الاستراتيجية.

غير أن هذا التصعيد المحتمل يصطدم بحسابات معقدة داخل الإدارة الأميركية. فإيران ليست ساحة تقليدية للحرب، لا من حيث امتدادها الجغرافي، ولا من حيث طبيعة قدراتها العسكرية، ولا شبكة حلفائها الإقليميين التي تمتد عبر عدة ساحات. هذا الإدراك يفسر التردد الواضح في اتخاذ القرار النهائي، الذي يظل بيد الرئيس دونالد ترامب، في ظل معادلة دقيقة تجمع بين الرغبة في تحقيق ضربة حاسمة، والخشية من الانزلاق إلى حرب طويلة ومكلفة، تستحضر في الذاكرة تجارب العراق وأفغانستان.

في موازاة هذا التردد السياسي، تمضي المؤسسة العسكرية الأميركية في تعزيز جاهزيتها على الأرض. فقد جرى بالفعل نشر وحدات من سلاح مشاة البحرية في المنطقة، بالتزامن مع التحضير لإرسال آلاف الجنود من الفرقة 82 المحمولة جوا، إحدى أبرز وحدات التدخل السريع في الجيش الأميركي. ويعكس هذا الانتشار بناء بنية عملياتية مرنة، قادرة على التحرك السريع في حال صدور القرار، سواء لتنفيذ عمليات محدودة أو لفتح جبهة أوسع.

هذا الحشد العسكري يحمل في طياته رسالة مزدوجة. فمن جهة، يسعى إلى تعزيز الردع وإظهار الاستعداد للانتقال إلى مرحلة أكثر تصعيدًا إذا استمرت إيران في استهداف المصالح الأميركية وحلفائها. ومن جهة أخرى، يهدف إلى تقليص زمن الاستجابة العملياتية، وهو عنصر حاسم في الحروب الحديثة التي تقوم على المفاجأة وسرعة التنفيذ.

في المقابل، لا تقف طهران موقف المتفرج. فقد وسعت من نطاق ردودها، عبر إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه إسرائيل، في محاولة للحفاظ على توازن الردع وعدم ترك زمام المبادرة بالكامل لواشنطن. كما اتهمت الولايات المتحدة بمهاجمة أهداف داخل إيران، بما في ذلك مؤسسات أكاديمية، وهو ما دفع الحرس الثوري إلى إصدار بيانات غير مسبوقة، أعلن فيها أن بعض الجامعات المرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة باتت أهدافًا “مشروعة”.

هذا التطور يعكس تحولًا خطيرًا في طبيعة الصراع، حيث لم تعد المواجهة تقتصر على الأهداف العسكرية التقليدية، بل امتدت لتشمل مؤسسات علمية وأكاديمية، كانت إلى وقت قريب خارج دائرة الاستهداف. كما يكشف عن دخول الصراع مرحلة جديدة، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع معركة الرواية والشرعية، في محاولة من كل طرف لكسب التأييد الدولي وتبرير خياراته.

في هذا السياق المتوتر، تتسع رقعة المواجهة لتشمل عدة ساحات إقليمية، من الخليج إلى المشرق، في ظل تبادل الاتهامات باستهداف مصالح مدنية وعسكرية. هذا التمدد الجغرافي للصراع يرفع من منسوب المخاطر، ويجعل أي خطأ في الحسابات قابلاً للتحول إلى مواجهة مفتوحة يصعب احتواؤها.

ما يلوح في الأفق، إذن، ليس مجرد تصعيد عابر، بل لحظة مفصلية قد تعيد رسم ملامح التوازنات في الشرق الأوسط. فقرار واشنطن بالانتقال إلى تدخل بري، إن تم اتخاذه، لن يكون مجرد خطوة تكتيكية، بل تحولًا استراتيجيًا قد يحدد شكل الصراع لسنوات قادمة. وفي المقابل، يبدو أن إيران تراهن على رفع كلفة هذا الخيار إلى أقصى حد ممكن، عبر توسيع بنك الأهداف وتعقيد بيئة المواجهة.

بين هذين المسارين، تقف المنطقة على حافة مرحلة جديدة، قد تكون الأكثر خطورة منذ بداية التصعيد. مرحلة تتداخل فيها القوة العسكرية مع الحسابات السياسية، وتُختبر فيها حدود الردع، وتُعاد فيها صياغة التحالفات على وقع صراع مفتوح على كل الاحتمالات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com