طلاق بلا نهاية: حين تتحول معاناة الجالية المغربية إلى صراع نفسي يدفع ثمنه الأبناء
بقلم: بوشعيب البازي
تشهد الجالية المغربية في أوروبا، خاصة في مدن مثل بروكسل وباريس وأمستردام، تحولات اجتماعية عميقة انعكست بشكل مباشر على بنية الأسرة، حيث لم يعد الطلاق مجرد نهاية لعلاقة زوجية، بل تحول في كثير من الحالات إلى بداية لصراع طويل ومعقد. هذا الصراع لا يقتصر على الخلافات القانونية أو المالية، بل يمتد إلى مستويات نفسية وعاطفية عميقة، يكون فيها الأطفال الضحية الأولى والأكثر هشاشة.
فالطلاق، الذي يُفترض أن يكون حلاً لإنهاء التوتر بين الزوجين، يتحول لدى بعض الأسر إلى ما يشبه حربًا باردة مستمرة، حيث يعجز الوالدان عن الفصل بين مشاعرهما الشخصية وواجباتهما التربوية. في هذا السياق، تظهر سلوكيات خطيرة مثل “التنفير الأبوي”، حيث يسعى أحد الطرفين إلى تشويه صورة الآخر في ذهن الطفل، إما بشكل مباشر أو عبر رسائل ضمنية، ما يدفع الطفل إلى الانحياز القسري، ويحرمه من علاقة طبيعية ومتوازنة مع كلا والديه.
هذه الظاهرة، التي يصفها علماء النفس أحيانًا بـ”الأب السام” أو “الأم الخبيثة”، لا ترتبط بجنس معين بقدر ما تعكس خللاً عاطفيًا عميقًا ونزعة نرجسية تجعل أحد الوالدين يوظف الطفل كأداة للضغط أو الانتقام. وهنا يتحول الطفل من كونه طرفًا محايدًا إلى عنصر داخل الصراع، يتعلم تدريجيًا كيف يعيد تشكيل مشاعره بما يتماشى مع رواية الطرف الأقوى، حتى يفقد القدرة على التمييز بين مشاعره الحقيقية وتلك التي فُرضت عليه.
خصوصية هذه الظاهرة داخل الجالية المغربية تكمن في تعقيد السياق الذي تعيش فيه الأسرة، حيث تتداخل المرجعيات الثقافية التقليدية مع القوانين الأوروبية الحديثة. هذا التداخل يخلق في كثير من الأحيان توترات إضافية، خاصة في قضايا الحضانة والزيارة، حيث قد يُمنع أحد الوالدين من رؤية أبنائه أو يتم تقييد علاقته بهم، بل وقد يصل الأمر إلى قطع صلة الأطفال بعائلة الطرف الآخر، ما يؤدي إلى تفكك الروابط العائلية وقطع الامتداد الثقافي والاجتماعي للطفل.
الانعكاسات النفسية لهذه الصراعات عميقة وخطيرة، إذ يعيش الطفل حالة من التمزق الداخلي وفقدان الأمان، وقد تظهر عليه اضطرابات سلوكية مثل الانطواء أو العدوانية أو ضعف التحصيل الدراسي. كما يفقد الثقة في العلاقات الإنسانية، ويطور نظرة مشوهة للزواج والأسرة، ما قد يدفعه في المستقبل إلى إعادة إنتاج نفس النمط من العلاقات القائمة على الصراع بدل التفاهم.
ولا تقف هذه الآثار عند الطفولة، بل تمتد إلى مراحل لاحقة من الحياة، حيث يعاني العديد من الذين عاشوا هذه التجربة من صعوبة في بناء علاقات مستقرة، ومن مشاعر مستمرة بالذنب أو القلق. بل إن بعضهم يلجأ إلى آليات دفاع نفسية مثل الكذب أو إخفاء المشاعر لإرضاء أحد الوالدين، ما يخلق خللاً عميقًا في تكوين شخصيته وهويته العاطفية.
من الناحية القانونية، تُعد هذه الممارسات إخلالًا واضحًا بواجبات الحضانة، التي تهدف أساسًا إلى حماية مصلحة الطفل وضمان استقراره النفسي. غير أن القانون، رغم أهميته، لا يكفي وحده لمعالجة هذه الظاهرة، لأن جذورها تمتد إلى الثقافة والسلوك، وتتطلب وعيًا جماعيًا داخل الجالية بأهمية الفصل بين الخلافات الزوجية ومسؤولية تربية الأبناء.
إن ما تحتاجه الجالية المغربية اليوم ليس فقط إصلاحًا قانونيًا، بل مراجعة عميقة للمنظومة القيمية التي تحكم العلاقات الأسرية بعد الطلاق. فالمسألة لم تعد تتعلق بمن يكسب الحضانة، بل بكيفية الحفاظ على توازن الطفل النفسي وضمان حقه في علاقة سليمة مع كلا والديه، بعيدًا عن منطق الانتقام وتصفية الحسابات.
في النهاية، يظل الطلاق تجربة إنسانية معقدة، قد تكون ضرورية في بعض الحالات، لكنه يتحول إلى مأساة حقيقية حين يُدار بعقلية الصراع. وبين واقع الجالية المغربية وتحديات الاندماج، يبقى الرهان الأكبر هو حماية الأبناء من أن يكونوا وقودًا لصراعات لا يد لهم فيها، وضمان أن ينشأوا في بيئة تمنحهم الأمان، لا الخوف، والتوازن، لا الانقسام.