جمعية مغرب الغد : من “الكسكس الثقافي” إلى دبلوماسية الصالونات الفارغة… ومن صراعات الظل إلى ازدواجية الخطاب

Screenshot

في زمن تتسابق فيه الأمم لإعادة تعريف قوتها الناعمة عبر الإبداع، الابتكار، والرهان على الكفاءات الشابة، يبدو أن جزءًا من النسيج الجمعوي المغربي في أوروبا اختار، بكل ثقة تُحسد عليها، أن يعيش خارج التاريخ… أو على الأقل خارج هذا القرن.

فما الذي يحدث بالضبط داخل هذه التنظيمات التي يُفترض أنها تمثل امتدادًا حيًا للمغرب في الخارج؟

لنكن صريحين: المشهد أقرب إلى إعادة تدوير مملّ لطقوس فولكلورية فقدت روحها منذ زمن. جمعيات تُعيد إنتاج نفس الأنشطة، بنفس الوجوه، بنفس الخطابات، وكأن الزمن توقف عند أول حفل “كسكس جماعي” تم تنظيمه في تسعينيات القرن الماضي. لا جديد يُذكر، ولا إضافة تُسجل، سوى صور تذكارية تُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي مرفوقة بعبارات من قبيل “نجاح باهر” و”حضور متميز”، في حين أن الواقع، لمن يجرؤ على المتابعة، يشي بشيء آخر تمامًا.

Screenshot

غير أن ما يطفو على السطح ليس سوى الجزء المرئي من جبل الجليد. ففي عمق بعض هذه الجمعيات، وعلى رأسها ما يُسمى بـ“جمعية مغرب الغد”، تتناسل أسئلة محرجة، لا يجرؤ أحد على طرحها علنًا:

من يدير فعليًا هذه الجمعيات؟ ومن يكتب السيناريوهات الحقيقية لاجتماعاتها وتحركاتها؟ هل نحن أمام عمل جمعوي، أم أمام مسرح عبثي تتقاطع فيه الطموحات الشخصية مع حسابات ضيقة؟ ثم ماذا عن تلك الصراعات الخفية التي لا تظهر في الصور الجماعية ولا في البلاغات الرسمية؟

لماذا يبدو أن بعض الفاعلين يعيشون في حالة “تعايش قسري” داخل نفس الهيكل، بينما تُدار المعارك الحقيقية في الكواليس؟

ومن المستفيد من هذا الغموض الذي يلف القرارات، والولاءات، والتحالفات؟

وفي قلب هذا المشهد، تبرز شخصيات تُجسد، بشكل يكاد يكون كاريكاتوريًا، ازدواجية الخطاب داخل هذا النسيج. شخصية تتقن فن التلوّن حسب السياق: تُطبل للسلطة في حضورها، وتُمارس نقدًا لاذعًا في غيابها. خطابان متناقضان، يُداران بمهارة لافتة، لكن بثمن باهظ: فقدان المصداقية.

وهنا، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى:

هل نحن أمام براغماتية سياسية ذكية، أم أمام انفصام خطابي يعكس أزمة عميقة في تحديد المواقف؟

وهل يمكن لفاعل جمعوي أن يدّعي تمثيل الجالية، وهو عاجز عن توحيد خطابه بين العلن والسر؟

إن هذه الازدواجية لا تضر فقط بصورة الأفراد، بل تُقوض الثقة في العمل الجمعوي برمته. فكيف يمكن لجيل جديد، وُلد ونشأ في بيئة أوروبية قائمة على الشفافية والمساءلة، أن ينخرط في تنظيمات تُدار بمنطق الغموض والتناقض؟

أما على مستوى الحكامة الداخلية، فالوضع لا يقل عبثية. مؤسسون يتحولون إلى “زعماء أبديين”، وأعضاء ينقسمون بين من “يدعمون” ومن “ينخرطون” في لعبة الولاءات الصغيرة. اجتماعات تُعقد، ليس لمناقشة مشاريع، بل لتدبير صراعات خفية حول من يسيطر على الجمعية ومن يحظى بصورة في الصف الأمامي. وفي نهاية المطاف، تجد أن “المشروع الكبير” الذي كان يُخطط له، لا يتجاوز حدود قاعة صغيرة وكؤوس شاي بالنعناع.

ثم هناك المفارقة الكبرى: الطموحات المعلنة. بعض هذه التنظيمات لا تتردد في الحديث عن “تمثيل الجالية” أو “التأثير في القرار الأوروبي”، بينما هي بالكاد قادرة على تنظيم نشاط يحترم أبسط معايير المهنية. بين الحلم والواقع، هوة سحيقة تُختزل أحيانًا في مشهد شخص يجلس في زاوية القاعة، يراقب الجميع، وكأنه يخطط لـ”اقتحام البيت الأبيض”، بينما لم ينجح بعد في اقتحام جدول أعمال واضح.

المشكلة، بطبيعة الحال، ليست في العمل الجمعوي في حد ذاته، بل في تحوله إلى غاية بدل أن يكون وسيلة. حين تصبح الجمعية مجرد إطار لإعادة إنتاج الذات، بدل أن تكون منصة لخدمة المجتمع، فإنها تفقد مبرر وجودها.

إن الرهان اليوم ليس على شعارات من قبيل “مغرب الغد”، بل على صدق الحاضر. صدق في النية، ووضوح في الخطاب، وشجاعة في مواجهة الذات قبل مواجهة الآخرين. بدون ذلك، ستظل هذه الجمعيات، بكل بساطة، تعيش في زمن آخر…

زمنٍ لا يُكافئ إلا من يتقن فن الازدواجية، ويُجيد إدارة الصراعات في الظل أكثر مما يُجيد خدمة الناس في العلن.

بدون هذا التحول، ستظل هذه الجمعيات، بكل بساطة، تعيش في زمن آخر… زمنٍ كان فيه “الكسكس” مشروعًا ثقافيًا، و”الولائم” استراتيجية دبلوماسية.

أما اليوم، فالعالم لا ينتظر أحدًا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com