المغرب داخل مجلس السلم والأمن الأفريقي: نحو ترسيخ مقاربة شمولية للأمن والتنمية في القارة
بوشعيب البازي
يُعدّ انتخاب المغرب لولاية جديدة داخل مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي للفترة 2026–2028، محطة دبلوماسية بارزة تعكس التحول النوعي في تموقعه داخل منظومة صنع القرار القاري. هذا الانتخاب، الذي تم خلال الدورة العادية الثامنة والأربعين للمجلس التنفيذي المنعقدة في أديس أبابا، لا يمثل مجرد استمرارية مؤسساتية، بل يعكس تراكمًا استراتيجيًا في الرؤية والممارسة الدبلوماسية للمملكة في مجال تدبير النزاعات وتعزيز الاستقرار الإقليمي.
تراكم الخبرة وتكريس الحضور المؤسسي
منذ عودته إلى الاتحاد الأفريقي سنة 2017، نجح المغرب في تثبيت موقعه كفاعل مؤثر داخل البنيات الأمنية القارية، حيث شغل عضوية مجلس السلم والأمن خلال ولايتين سابقتين (2018–2020) و(2022–2025). وقد اتسمت مشاركته بنهج عملي قائم على تطوير آليات العمل الجماعي، وتعزيز التنسيق بين الدول الأعضاء، مع الدفع نحو إرساء ممارسات مؤسساتية فعالة تستجيب لتعقيدات السياق الأمني الأفريقي.
وفي هذا الإطار، لم يعد حضور المغرب مرتبطًا فقط بمنطق “العودة إلى البيت الأفريقي”، بل أضحى تعبيرًا عن قدرة متزايدة على التأثير في هندسة القرار الأمني، خصوصًا في ما يتعلق بعمليات الوساطة، والوقاية من النزاعات، وإدارة بعثات حفظ السلام.
نحو مقاربة أفريقية مندمجة: الأمن في صلب التنمية
تندرج الرؤية المغربية، كما بلورها الملك محمد السادس، ضمن تصور استراتيجي يربط بشكل عضوي بين السلم والأمن والتنمية. فالتحديات الأمنية التي تواجه القارة – من الإرهاب والتطرف العنيف إلى الجريمة المنظمة العابرة للحدود – لا يمكن معالجتها بمعزل عن الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية التي تغذيها.
وفي هذا السياق، يدفع المغرب نحو تعزيز “الهندسة الأفريقية للسلم والأمن”، عبر تفعيل آليات الوقاية، خاصة نظم الإنذار المبكر، والدبلوماسية الوقائية، بما يسمح باستباق الأزمات بدل الاكتفاء بإدارتها. كما يشدد على ضرورة تقوية قدرات الدول الأفريقية في مجال التسوية السلمية للنزاعات، بما يعزز مناعتها المؤسساتية ويحد من هشاشتها أمام التهديدات المتعددة الأبعاد.
السيادة وعدم التدخل: محددات ثابتة في العقيدة الدبلوماسية
يشكل مبدأ احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية أحد المرتكزات الأساسية في السياسة الخارجية المغربية. وقد أكد ناصر بوريطة، خلال اجتماعات مجلس السلم والأمن، التزام المملكة بهذا المبدأ كشرط ضروري لإرساء نظام إقليمي قائم على التعايش وحسن الجوار.
هذا التوجه يعكس أيضًا سعي المغرب إلى الإسهام في إصلاح الاتحاد الأفريقي، من خلال الدعوة إلى تفعيل مقتضيات أجندة 2063، خاصة في شقها المتعلق بالحكامة الأمنية والتنمية المستدامة. ويُنظر إلى هذا الإصلاح كمدخل لتجاوز الاختلالات البنيوية التي لا تزال تعيق فعالية المنظمة القارية.
دبلوماسية استباقية لتعزيز الصمود الأفريقي
تعكس الولاية الجديدة توجهًا مغربيًا نحو تكريس دبلوماسية استباقية ترتكز على توقع المخاطر وتعزيز الصمود. وفي هذا الإطار، يولي المغرب أهمية خاصة لدعم المبادرات القارية الرامية إلى مواجهة التهديدات الناشئة، مع التركيز على بناء قدرات الدول في مجالات الأمن الإنساني والتنمية الاقتصادية.
كما يسعى إلى ترسيخ مقاربة متعددة الأبعاد، تُدمج بين العمل الأمني والوساطة السياسية والاستثمار التنموي، بما يعزز من فرص تحقيق استقرار دائم في القارة.
إن تجديد عضوية المغرب داخل مجلس السلم والأمن الأفريقي لا يمثل فقط اعترافًا بدوره المتنامي، بل يعكس أيضًا ثقة متزايدة في نموذج دبلوماسي يقوم على التوازن بين الواقعية السياسية والالتزام المبدئي. وفي ظل التحولات الجيوسياسية التي تعرفها القارة، يبدو أن المغرب ماضٍ في ترسيخ موقعه كفاعل محوري في صياغة مستقبل الأمن الأفريقي، عبر رؤية شمولية تجعل من التنمية رافعة أساسية للسلم، ومن السيادة الوطنية إطارًا لا غنى عنه لأي مقاربة مستدامة.