تحولات بنيوية داخل جبهة بوليساريو في سياق ضغوط تشريعية أميركية متصاعدة

بوشعيب البازي

تشهد جبهة بوليساريو في الآونة الأخيرة سلسلة تغييرات تنظيمية واسعة تمسّ بنيتها العسكرية والسياسية، في خطوة تعكس حالة ارتباك داخلي وتوجّس خارجي متزايد، خصوصا مع تنامي الدعوات داخل الكونغرس الأميركي لتصنيف الجبهة منظمة إرهابية. وتأتي هذه التحركات في ظل إشراف مباشر من القيادة الجزائرية، التي تبدو حريصة على إعادة ضبط إيقاع الجبهة بما يتناسب مع المتغيرات الإقليمية والدولية.

إعادة هيكلة واسعة تحت ضغط خارجي

طالت عملية إعادة الهيكلة نحو عشرين منصبا داخل القيادة العسكرية والسياسية لبوليساريو، وشملت أساسا شخصيات ارتبط اسمها بخطابات تحريضية على العنف خلال السنوات الأخيرة. ويبرز من بين أبرز المقالين محمد الولي اعكيك، الذي شغل منصب “رئيس الأركان” منذ 2021، إضافة إلى مصطفى سيدي علي البشير، المسؤول عن ملف ما يسمى “الأراضي المحتلة” والجالية.

وتأتي هذه الإعفاءات بعد تصريحات علنية صدرت عن القياديين المذكورين، دعت إلى تنفيذ هجمات داخل مدن الصحراء المغربية واستهداف شركات أميركية وأوروبية وصينية تنشط في المنطقة، ما أثار انتقادات دولية واسعة ورفع منسوب القلق داخل دوائر صنع القرار في واشنطن.

السياق الأميركي: نحو مقاربة أكثر صرامة

شهدت الساحة التشريعية الأميركية تطورا لافتا بانضمام النائبة الجمهورية إليز ستيفانيك إلى قائمة الداعمين لمشروع قانون يصنّف بوليساريو منظمة إرهابية. ويعكس هذا التطور اتساع دائرة الدعم داخل الكونغرس لهذا التوجه، بما يضع الجبهة أمام تحديات غير مسبوقة، ويزيد من الضغوط على الجزائر باعتبارها الداعم الرئيسي لها.

وتشير هذه الدينامية إلى تحوّل تدريجي في المقاربة الأميركية تجاه النزاع، خصوصا في ظل تزايد الاهتمام بمحاربة التنظيمات المسلحة غير الحكومية التي تعتمد خطابا أو ممارسات ذات طابع عنيف أو عابر للحدود.

قراءة في دوافع الجزائر: بين البراغماتية التكتيكية واستدامة العقيدة

تزامنت هذه التغييرات مع إعلان الجزائر تبني ما وصفته بـ”البراغماتية الدبلوماسية”، وفق ما نشرته مجلة “الجيش”. غير أن عددا من المحللين يرون أن هذا التحول لا يعكس تغييرا جذريا في العقيدة العسكرية والسياسية الجزائرية، بقدر ما يمثل محاولة لتخفيف الضغوط الدولية وتفادي تداعيات محتملة لتصنيف أميركي قد تكون له كلفة سياسية ودبلوماسية عالية.

ويؤكد الباحث في الدراسات الإستراتيجية والأمنية محمد الطيار أن هذه التغييرات تمثل “هيكلة اضطرارية” تهدف إلى إحكام قبضة القيادة الحالية على مفاصل القرار داخل الجبهة، واستبدال مراكز القوى التقليدية بوجوه أكثر ولاءً. ويرى الطيار أن هذا التوجه يسعى إلى امتصاص الاحتقان الداخلي، وتقديم صورة تنظيمية أكثر انضباطا للمجتمع الدولي.

صراع داخلي مؤجل: بين الحرس القديم ومتطلبات المرحلة

تعيين شخصيات مثل البشير مصطفى السيد في مواقع تشريعية، وفق الطيار، يدخل في إطار “المناورة السياسية” لاحتواء الأصوات المعارضة دون منحها تأثيرا فعليا على القرار التنفيذي. ويشير إلى أن هذا التوزيع الجديد للأدوار يهدف إلى الحفاظ على تماسك صوري يمنع الانشقاقات في مرحلة حساسة.

وفي حال تحوّل التهديد الأميركي إلى واقع قانوني، واستمرار مجلس الأمن في اعتبار الحكم الذاتي خيارا وحيدا للحل، قد تجد الجبهة نفسها أمام مفترق طرق: إما الانخراط في مسار تفاوضي جديد، أو مواجهة انفجار داخلي نتيجة تضارب المصالح بين الحرس القديم والتيار البراغماتي.

تعيينات جديدة: محاولة لإعادة التموضع

تم تعويض محمد الولي اعكيك بحمة سلامة، الذي يحظى بثقة كبيرة داخل النظام الجزائري، وقد سبق له قيادة مناطق عسكرية وتولي رئاسة ما يسمى “برلمان” الجبهة. ويعكس هذا التعيين رغبة في الدفع بوجوه أكثر انضباطا وأقل إثارة للجدل، بما ينسجم مع محاولات إعادة التموضع التكتيكي.

تكشف التحولات الأخيرة داخل جبهة بوليساريو عن مرحلة دقيقة تتقاطع فيها الضغوط الخارجية مع التوترات الداخلية. وبينما تسعى القيادة إلى تقديم صورة أكثر انضباطا وابتعادا عن الخطابات العنيفة، فإن عمق الأزمة يرتبط ببنية الجبهة نفسها وبالعقيدة السياسية والعسكرية للجزائر. وفي ظل تسارع المتغيرات الدولية، قد تكون هذه التغييرات مجرد خطوة أولى في مسار أكثر تعقيدا، يحدد مستقبله مدى قدرة الجبهة على التكيف مع واقع إقليمي ودولي آخذ في التشكل.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com