حين يكتشف “صانع الفضائح” أنه كان مجرد أداة: هشام جيراندو يفتح النار على مخبريه… متأخراً
في مشهد لا يخلو من المفارقة السوداء، استيقظ هشام جيراندو أخيراً من سباته الطويل، ليكتشف – بعد سنوات من البث المباشر والاتهامات الجاهزة – أنه لم يكن سوى صندوق بريد مفتوح يتلقى “المعلومات” من أطراف مشبوهة، ثم يعيد توزيعها على جمهور متعطش للفضائح.
المثير في القصة ليس الاكتشاف بحد ذاته، بل توقيته. فبعد أن طالت سهام التشهير عشرات من أفراد الجالية المغربية في بلجيكا، خرج جيراندو ليقول، وكأنه اكتشف فجأة قوانين الجاذبية: “لقد كنت ضحية”.
من “كاشف المؤامرات” إلى “ضحية المؤامرة”
الرواية الجديدة التي يروجها جيراندو تحمل في طياتها اعترافاً ضمنياً: ما كان يقدمه على أنه “تسريبات دقيقة” لم يكن في كثير من الأحيان سوى رسائل موجهة ومفخخة، صيغت بعناية لتصفية حسابات ضيقة داخل أوساط الجالية.

في قلب هذه الدوامة يظهر اسم عبد العزيز السارت، الذي يُقدَّم اليوم – بحسب رواية جيراندو نفسه – كأحد أبرز مزودي “المعطيات”، بل كمحرك رئيسي في حملات التشهير التي استهدفت شخصيات مغربية في أوروبا.
السارت، الذي يرتبط بكل من “جمعية مغرب الغد” و”التحالف العالمي لمغاربة العالم”، يبدو في هذا السيناريو أشبه بـ”مخرج خفي” يكتب النص، بينما يتكفل جيراندو بالأداء… أمام الكاميرا.
صالح الشلاوي… ضحية جديدة أم فصل قديم؟
من بين الأسماء التي أعيد طرحها في هذه الحلقة المتأخرة من مسلسل الفضائح، يبرز صالح الشلاوي، الذي سبق أن طالته اتهامات ثقيلة تتعلق بعلاقات مزعومة مع أجهزة رسمية و التشهير به على مواقع التواصل الاجتماعي.
اليوم، وبنبرة أقرب إلى التبرؤ منها إلى الاعتذار، يوحي جيراندو بأن تلك “المعطيات” لم تكن سوى جزء من لعبة أكبر، كان عبد العزيز السارت أحد مهندسيها. بل ويذهب أبعد من ذلك، ملمحاً إلى تورط عبد العزيز السارت في إنتاج فيديوهات التشهير التي اجتاحت منصات التواصل.
الجالية المغربية… بين مطرقة الإشاعة وسندان “اللايف”
الضحية الحقيقية في كل هذا؟ جالية مغربية في بروكسل وغيرها من المدن، وجدت نفسها فجأة موضوعاً لتقارير مرتجلة، واتهامات غير موثقة، وأحكام تصدر في بث مباشر دون محاكمة.
الخطير في الأمر أن هذا النوع من “الإعلام الموازي” لا يكتفي بتشويه السمعة، بل يخلق مناخاً من الشك والتخوين داخل مجتمع يفترض أنه في حاجة إلى التماسك لا إلى مزيد من الانقسام.
صحوة متأخرة… أم محاولة إنقاذ؟
اعتراف جيراندو – إن صح اعتباره اعترافاً – يطرح سؤالاً بديهياً:
هل نحن أمام مراجعة حقيقية لمسار مثير للجدل، أم مجرد محاولة لإعادة التموضع بعد تراكم الشكايات والضغوط؟
نحو تحقيق ضروري؟
في ظل هذه المعطيات، تبرز دعوات لفتح تحقيق من طرف الجهات المختصة، ليس فقط لتحديد المسؤوليات الفردية، بل لفهم شبكة العلاقات التي سمحت بمرور هذا الكم من “المعلومات” دون تدقيق.
فالقضية لم تعد مجرد خلافات شخصية أو تصفية حسابات بين أفراد، بل تحولت إلى مسألة رأي عام تمس صورة الجالية المغربية في الخارج، وتطرح إشكاليات عميقة حول أخلاقيات النشر وحدود حرية التعبير.
في النهاية، قد يكون الدرس الأقسى في هذه القصة أن من يلعب بالنار الإعلامية، ولو تحت شعار “كشف الحقيقة”، قد يكتشف متأخراً أنه كان مجرد وقود لها.