“سادك” بين إرث الاصطفاف وتحولات النزاع: قراءة في خلفيات استقبال ممثل البوليساريو

بوشعيب البازي

في خطوة أعادت إلى الواجهة تناقضات المواقف الإقليمية والدولية إزاء نزاع الصحراء، جددت المجموعة الإنمائية للجنوب الأفريقي (سادك) اصطفافها إلى جانب جبهة البوليساريو، عبر استقبال ممثلها ومنحه صفة تمثيلية داخل بعض هياكلها. خطوةٌ تُقرأ، في سياقها العام، كاستمرار لنهج سياسي تقوده بعض العواصم داخل التكتل، لكنها في الآن ذاته تثير تساؤلات متزايدة حول مدى انسجام هذا التوجه مع الديناميات الدولية الراهنة.

ففي وقت تتجه فيه قرارات مجلس الأمن، وعلى رأسها القرار 2797، نحو تكريس مقاربة واقعية تقوم على دعم مبادرة الحكم الذاتي كأرضية للحل، يبدو أن “سادك” تسير في اتجاه مغاير، يعيد إنتاج مواقف تقليدية لم تعد تحظى بنفس الزخم أو التأثير على الساحة الدولية.

استمرارية في الدعم… أم تعبير عن انقسام داخلي؟

استقبال الأمين التنفيذي للتكتل، إلياس ماغوسي، لممثل البوليساريو في بوتسوانا، ومنحه اعتماداً رسمياً خلفاً لسلفه، لا يشكل سابقة في حد ذاته، بقدر ما يعكس استمرارية قنوات التواصل بين بعض هياكل المنظمة والجبهة. غير أن دلالاته السياسية تتجاوز البعد البروتوكولي، لتطرح إشكاليات تتعلق بطبيعة القرار داخل “سادك” وحدود صلاحيات أجهزتها.

في هذا السياق، تشير مينة لغزال، منسقة “تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية”، إلى أن هذه الخطوة تأتي امتداداً لمسار انطلق منذ سنوات، تُوّج بتوقيع مذكرة تفاهم بين الطرفين، دون المرور عبر أعلى هيئة تقريرية داخل المنظمة، أي قمة رؤساء الدول والحكومات. وهو ما يفتح، بحسبها، نقاشاً مؤسساتياً حول مشروعية اتخاذ قرارات ذات طابع سياسي حساس من طرف جهاز تنفيذي يفترض فيه الاضطلاع بمهام إدارية بالأساس.

خلفيات سياسية تتجاوز الإطار الإقليمي

لا يمكن فصل هذا التحرك عن سياق أوسع، يتمثل في محاولات بعض الدول، خاصة جنوب أفريقيا والجزائر، إعادة إحياء الطرح الانفصالي داخل المنتديات الدولية، عبر استثمار واجهات إقليمية مثل “سادك”. ويستند هذا التوجه، في جزء منه، إلى خطاب تقليدي يستحضر أدبيات مناهضة الاستعمار، رغم التحولات العميقة التي شهدها النظام الدولي، وتراجع جاذبية هذه المقاربات في ظل صعود منطق الحلول البراغماتية.

وترى لغزال أن هذا المسار يعكس سعياً لبناء لوبي دبلوماسي موازٍ، هدفه التأثير على مواقف الهيئات الدولية، ودفع مزيد من الدول نحو تبني أطروحة الانفصال، أو على الأقل إبطاء الزخم المتنامي الداعم لمبادرة الحكم الذاتي.

تصدعات داخل التكتل

غير أن هذا التوجه لا يحظى بإجماع داخل “سادك” نفسها. فقد عبّرت بعض الدول الأعضاء عن تحفظها، بل ورفضها الصريح للانخراط في نزاع لا يندرج ضمن المجال الجغرافي أو الاختصاصي للمنظمة. وتُعد مواقف دول مثل جزر القمر مؤشراً على وجود تباينات عميقة في الرؤى، قد تُترجم مستقبلاً إلى توترات داخلية تؤثر على تماسك التكتل.

كما يثير هذا الوضع تساؤلات قانونية، خاصة في ما يتعلق بمدى احترام ميثاق “سادك”، الذي يحدد نطاق تدخلها في قضايا الجنوب الأفريقي، دون التمدد إلى نزاعات خارج هذا الإطار. وهو ما يجعل من الخطوة الأخيرة سابقة قد تفتح الباب أمام تأويلات متباينة لدور المنظمة وحدود اختصاصها.

بين الرمزية والتأثير الفعلي

رغم الطابع الرمزي لهذه الخطوة، إلا أن تأثيرها الفعلي على مسار النزاع يظل محدوداً، في ظل التوازنات الدولية الراهنة. فالدعم المتزايد لمبادرة الحكم الذاتي، سواء داخل مجلس الأمن أو من قبل قوى دولية وازنة، يعكس تحوّلاً تدريجياً نحو مقاربة أكثر واقعية، تركز على الحلول القابلة للتطبيق بدل الشعارات السياسية.

ومع ذلك، فإن استمرار مثل هذه المبادرات داخل تكتلات إقليمية يبرز أن النزاع لم يُطوَ بعد على المستوى الدبلوماسي، وأنه ما زال مجالاً لتجاذبات تعكس تقاطعات المصالح الإقليمية والدولية.

تكشف خطوة “سادك” عن مفارقة واضحة بين مسارين: الأول دولي يتجه نحو ترسيخ حل سياسي واقعي، والثاني إقليمي لا يزال أسير مقاربات تقليدية. وبينهما، يظل نزاع الصحراء ساحة مفتوحة لإعادة تشكيل التحالفات واختبار موازين القوى، في انتظار نضج شروط تسوية نهائية تنهي أحد أطول النزاعات في المنطقة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com