في هندسة التشهير العابر للحدود: قراءة في “قضية عبد العزيز السارت” بين الفاعل الجمعوي والإعلام الموازي

Screenshot

في السياقات التي يتقاطع فيها العمل الجمعوي مع الفضاء الرقمي غير المؤطر، تصبح الحدود بين الفعل المدني والممارسة التأثيرية الرمادية شديدة الهشاشة. هذه الهشاشة بالذات هي ما تعيد إلى الواجهة ما بات يُعرف إعلامياً بـ“قضية عبد العزيز السارت”، المرتبطة بشبهات تورط في تغذية حملات تشهير استهدفت أفراداً من الجالية المغربية في بلجيكا، عبر منصات يديرها هشام جيراندو.

من سؤال المصدر إلى انكشاف الوسيط

لسنوات، ظل سؤال مركزي يتردد داخل أوساط الجالية: من يقف وراء تزويد جيراندو بما يُقدَّم على أنه “معطيات دقيقة” حول شخصيات مغربية مقيمة في بلجيكا ؟ ولماذا تتكرر الأخطاء والتناقضات داخل هذه “التسريبات” رغم نبرة اليقين التي تُعرض بها؟

هذا التساؤل لم يكن مجرد فضول جماعي، بل تعبير عن قلق عميق إزاء تحوّل الفضاء الرقمي إلى ساحة لتصفية الحسابات الشخصية، حيث تختلط المعطيات المفبركة بنصف الحقائق، وتُبنى عليها سرديات تشهيرية ذات أثر اجتماعي وقانوني بالغ.

التحول النوعي في هذه القضية جاء مع ما يمكن اعتباره “انكشافاً داخلياً”، حين قام جيراندو نفسه بالإشارة إلى أحد مزوديه بالمعلومات، واضعاً عبد العزيز السارت في قلب هذه الشبكة غير الرسمية لتداول المعطيات.

الفاعل الجمعوي كحلقة وصل

تطرح هذه المعطيات إشكالية أعمق تتجاوز الأشخاص نحو البنية: كيف يمكن لفاعل جمعوي، يفترض فيه الاشتغال ضمن منطق تمثيلي ومدني، أن يتحول – إن ثبتت هذه المعطيات – إلى حلقة وصل داخل منظومة إنتاج ونشر معلومات ذات طابع تشهيري؟

السارت، بصفته مرتبطاً بهياكل جمعوية مثل “التحالف العالمي لمغاربة العالم” و“مغرب الغد”، لا يتحرك في فراغ اجتماعي، بل ضمن شبكة علاقات تشمل فاعلين مؤسساتيين وغير مؤسساتيين. وهو ما يضفي على القضية بعداً أكثر تعقيداً، يتجاوز فرضية “المصدر الفردي” نحو احتمال وجود تفاعلات أوسع داخل الحقل الجمعوي والإعلامي.

تقاطعات حساسة: بين الحضور الدبلوماسي وشبهات التسريب

في هذا السياق، يبرز معطى آخر لا يقل حساسية، يتمثل في طبيعة العلاقات التي يُقال إن عبد العزيز السارت نسجها داخل الأوساط الرسمية المغربية في بروكسل. إذ يُتداول أنه يحافظ على حضور منتظم في عدد من الفعاليات والأنشطة التي تجمع مسؤولين ودبلوماسيين مغاربة، من بينهم شخصيات مثل الدكتور الزاهي.

هذا الحضور، الذي قد يُفسَّر في سياقه الطبيعي كجزء من دينامية العمل الجمعوي والتواصلي، يطرح في المقابل تساؤلات مشروعة في ظل الاتهامات الحالية:

هل يمكن أن تكون بعض المعطيات المتداولة قد استُقيت من هذه الفضاءات المغلقة؟

وهل تم توظيف علاقات القرب من دوائر رسمية لإضفاء مصداقية على معلومات تم استخدامها لاحقاً في سياقات تشهيرية؟

بطبيعة الحال، تبقى هذه الأسئلة في حدود الفرضيات التي لا يمكن الجزم بها خارج إطار تحقيق مؤسساتي دقيق.

بين الإعلام الموازي وإنتاج الشك

تكشف هذه القضية، في عمقها، عن تحوّل نوعي في آليات إنتاج المعلومة داخل ما يمكن تسميته بـ“الإعلام الموازي”، حيث لم يعد المحتوى نتاج بحث صحفي تقليدي، بل نتيجة تفاعلات معقدة بين مصادر غير معلنة، وأجندات شخصية، ومنصات رقمية تبحث عن التأثير السريع.

ضمن هذا النموذج، تصبح “المعلومة” أداة، لا غاية. أداة لإعادة تشكيل السمعة، وإعادة توزيع المواقع الرمزية داخل الجالية، وأحياناً لتصفية نزاعات لا تجد طريقها إلى القنوات المؤسساتية.

الحاجة إلى تحقيق مؤسساتي

أمام تشابك هذه المعطيات، تبدو الدعوة إلى فتح تحقيق جدي ضرورة منهجية، لا مجرد رد فعل ظرفي. تحقيق من شأنه أن يحدد:

  • طبيعة العلاقة بين مختلف الأطراف
  • مدى صحة الادعاءات المتعلقة بتزويد معلومات مغلوطة
  • حدود المسؤولية القانونية والأخلاقية لكل فاعل

فالقضية لم تعد مجرد جدل إعلامي عابر، بل تحولت إلى مسألة تمس صورة الجالية المغربية في الخارج، وتطرح إشكاليات جوهرية حول أخلاقيات النشر، وحدود المسؤولية في الفضاء الرقمي.

حين تصبح الشبكات غير المرئية موضوعاً للتحقيق

في النهاية، قد لا تكون أهمية هذه القضية في تفاصيلها الظرفية، بقدر ما تكمن في ما تكشفه من بنى خفية تحكم تداول المعلومة خارج الأطر التقليدية. بنى تُنتج خطاباً، وتعيد تشكيل تصورات، وتؤثر في الأفراد والجماعات، دون أن تكون مرئية بشكل كامل.

وبين الفاعل الجمعوي، والمنصة الرقمية، والجمهور المتلقي، يبقى السؤال مفتوحاً:

من يصنع الرواية؟ ومن يتحكم في مسارها؟

سؤال لن تجيب عنه التخمينات، بل فقط تحقيقات دقيقة قادرة على تفكيك هذا النسيج المعقد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com