العلاقات الجزائرية-الفرنسية على محك “إرهاب الدولة”: تصعيد قضائي أم أزمة ثقة مزمنة؟

بوشعيب البازي

في سياق إقليمي ودولي يتسم بتزايد حساسية ملفات الأمن العابر للحدود، أعادت التصريحات الأخيرة للمدعي العام الفرنسي لمكافحة الإرهاب، Olivier Christen، إدراج العلاقات الجزائرية-الفرنسية ضمن دائرة التوتر السياسي والقضائي، بعد إشاراته إلى قضايا قيد التحقيق مرتبطة بما وصفه بـ”إرهاب ترعاه دول”، شملت، من بين بلدان أخرى، الجزائر.

هذا التصريح، الذي ورد في مقابلة إعلامية على قناة France Info، لم يكن مجرد توصيف تقني لمسارات قضائية جارية، بل حمل أبعادًا سياسية واضحة، بالنظر إلى السياق الثنائي المعقد بين فرنسا و الجزائر ، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع الإرث التاريخي والتجاذبات الدبلوماسية المستمرة.

رد جزائري حاد: بين الرفض والتأويل السياسي

السلطات الجزائرية، عبر مصدر مأذون في وزارة الشؤون الخارجية، سارعت إلى رفض هذه الاتهامات، ووصفتها بـ”التهجم البائس” و”غير المبرر”، معتبرة أنها تندرج ضمن محاولات البحث عن “كبش فداء” في ظل ما وصفته بـ”سياق فرنسي مأزوم”. هذا الخطاب يعكس استراتيجية تواصلية مألوفة في الدبلوماسية الجزائرية، تقوم على نزع الطابع القضائي عن الاتهامات وتحويلها إلى مستوى الصراع السياسي، بل وحتى الرمزي.

ويُقرأ هذا الرد أيضًا في ضوء حساسية الجزائر الشديدة تجاه أي ربط بين مؤسساتها الرسمية وأنشطة توصف بالإرهابية، خاصة في ظل سعيها المستمر إلى تثبيت صورتها كشريك أمني موثوق في منطقة الساحل.

قضايا قضائية أم أدوات ضغط سياسي؟

بحسب المعطيات التي قدمها Olivier Christen، فإن ثماني قضايا تخضع حاليًا للتحقيق في فرنسا، ثلاث منها مرتبطة بـإيران، فيما تتوزع القضايا الأخرى بين روسيا والجزائر. غير أن غياب تفاصيل دقيقة بشأن الملفات المرتبطة بالجزائر يفتح المجال أمام التأويلات، خصوصًا في ظل الربط غير المعلن بقضية اليوتوبر المعروف ب أمير  DZ، الذي سبق أن اتهم السلطات الجزائرية بمحاولة اختطافه على الأراضي الفرنسية.

هذه القضية، التي تفجرت خلال ربيع 2025، شكلت إحدى أبرز نقاط الاحتكاك بين البلدين، حيث انتقلت من مستوى الاتهامات الإعلامية إلى مسار قضائي معقد، ساهم في تعميق أزمة الثقة بين العاصمتين.

البعد القانوني: إشكالية الحصانة القنصلية

من جهة أخرى، أعاد ملف الموظف القنصلي الجزائري المعتقل في فرنسا إحياء النقاش حول احترام الالتزامات الدولية، لا سيما ما يتعلق بـVienna Convention on Consular Relations. الجزائر اعتبرت استمرار احتجازه، رغم تمتعه بالحصانة القنصلية، خرقًا صريحًا للأعراف الدبلوماسية، ووصفت ظروف اعتقاله بـ”المشينة”، محذرة من تداعيات ذلك على مستقبل العلاقات الثنائية.

في المقابل، يبدو أن القضاء الفرنسي يتعامل مع الملف من زاوية استقلالية السلطة القضائية، وهو ما يطرح إشكالية كلاسيكية في العلاقات الدولية: حدود الفصل بين السياسي والقضائي، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا ذات طابع أمني حساس.

ازدواجية الخطاب الفرنسي: بين التهدئة والتصعيد

التطورات الأخيرة تكشف عن مفارقة لافتة في الموقف الفرنسي. ففي الوقت الذي يؤكد فيه مسؤولون، من بينهم Laurent Nuñez، على عودة تدريجية للتعاون الأمني والقضائي مع الجزائر، تستمر تصريحات وقرارات قضائية في تغذية مناخ التوتر.

هذا التناقض يعكس، في جانب منه، تعدد مراكز القرار داخل الدولة الفرنسية، حيث لا تتحرك المؤسسات الأمنية والقضائية دائمًا وفق إيقاع الخطاب السياسي التنفيذي. كما يعكس، في جانب آخر، صعوبة إعادة بناء الثقة في علاقة مثقلة بإرث تاريخي معقد ومصالح متشابكة.

إن إدراج الجزائر، ولو بشكل عابر، ضمن نقاشات مرتبطة بـ”إرهاب الدولة” في فرنسا، يتجاوز كونه مجرد توصيف قانوني، ليصبح عنصرًا فاعلًا في إعادة تشكيل ملامح العلاقة الثنائية. فبين منطق السيادة الوطنية الذي تتمسك به الجزائر، ومنطق الأمن الوقائي الذي تتبناه فرنسا، تظل المسافة بين الطرفين محكومة بتوازن هش، قابل للاهتزاز مع كل تصريح أو إجراء قضائي.

وفي ظل غياب قنوات تواصل فعالة قادرة على احتواء الأزمات في مهدها، يبدو أن العلاقات الجزائرية-الفرنسية ستظل رهينة دورات متكررة من التهدئة والتصعيد، دون أفق واضح لتجاوز هذا النمط البنيوي من التوتر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com