المغرب يعيد تشكيل عقيدته الدفاعية: نحو سيادة معلوماتية في زمن الحروب الذكية
حنان الفاتحي
يدخل المغرب مرحلة مفصلية في مسار تحديث قدراته العسكرية، من خلال تبني مقاربة جديدة ترتكز على التفوق المعلوماتي وتطوير منظومات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع (ISR)، في سياق إقليمي يتسم بتعقيد متزايد وتنامي التهديدات غير التقليدية. هذا التحول لا يقتصر على تحديث العتاد، بل يعكس إعادة تعريف عميقة لمفهوم القوة العسكرية، حيث لم تعد النجاعة تقاس فقط بحجم الترسانة، بل بقدرة الدولة على جمع المعطيات وتحليلها واتخاذ القرار في الزمن الحقيقي.
في هذا الإطار، يبرز اهتمام الرباط بالجيل الجديد من منصات الاستطلاع عالية الارتفاع، وعلى رأسها برنامج “هاديس” الأميركي، كخطوة استراتيجية نحو امتلاك أدوات متقدمة لرصد التحركات العسكرية والأنشطة غير النظامية عبر مسافات بعيدة. ويؤشر هذا التوجه إلى انتقال القوات المسلحة الملكية من نموذج دفاعي تقليدي قائم على رد الفعل، إلى نموذج استباقي يضع المعلومة في صلب المعادلة العملياتية.
من فجوة القدرات إلى بناء منظومة متكاملة
على مدى سنوات، واجه سلاح الجو المغربي محدودية واضحة في مجال الاستخبارات الإلكترونية (SIGINT/ELINT)، حيث اعتمد بشكل أساسي على منصات قديمة نسبياً، من قبيل طائرات “داسو فالكون 20”، التي لم تعد تواكب التطور السريع في تكنولوجيا الاستشعار والتحليل. وقد دفع هذا الواقع إلى البحث عن حلول أكثر تطوراً، من بينها مشروع اقتناء طائرات “غولف ستريم G550” وتحويلها إلى منصات استخباراتية متقدمة، وهو المشروع الذي تعثر لأسباب غير معلنة، قد ترتبط بالكلفة أو بإعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية.
اليوم، يبدو أن خيار “هاديس” يأتي لسد هذه الفجوة، ولكن ضمن رؤية أشمل تقوم على بناء منظومة متعددة الطبقات، تدمج بين الطائرات المأهولة، والطائرات بدون طيار، والأقمار الاصطناعية، وأنظمة الحرب الإلكترونية. هذه المقاربة التكاملية من شأنها أن توفر صورة عملياتية دقيقة ومستمرة، وتمنح صانع القرار العسكري قدرة أكبر على الاستباق وتقليص هامش المفاجأة.
سيادة المعلومة: مركز الثقل الجديد
يرى عدد من الخبراء في الشؤون الاستراتيجية أن هذا التحول يعكس إدراكاً متقدماً لطبيعة الحروب المعاصرة، التي تُحسم في كثير من الأحيان خارج ميدان الاشتباك المباشر. فامتلاك منصات استطلاع بعيدة المدى وعالية الدقة يعني عملياً نقل مركز الثقل من القوة النارية إلى “السيطرة المعرفية” للمعركة، أي القدرة على رصد التهديد قبل تشكّله، وفهم دينامياته، واتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب.
وتكتسب هذه القدرة أهمية خاصة في بيئات جيوسياسية معقدة مثل منطقة الساحل والصحراء، حيث تتداخل التهديدات الأمنية التقليدية مع أنشطة جماعات غير نظامية وشبكات عابرة للحدود. كما تمتد الحاجة إلى المراقبة الدقيقة إلى السواحل الأطلسية والممرات البحرية في الشمال، في ظل تصاعد التحديات المرتبطة بالهجرة غير النظامية والتهريب.
بعد بحري وجيو-اقتصادي
لا يقتصر الرهان المغربي على البعد العسكري الصرف، بل يتجاوزه إلى حماية المصالح الاقتصادية الحيوية، خاصة ما يتعلق بأمن الملاحة البحرية. فتعزيز قدرات المراقبة في البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي يتيح رصد الأنشطة غير المشروعة وتأمين خطوط التجارة الدولية، وهو ما ينسجم مع موقع المغرب كفاعل محوري في الربط بين إفريقيا وأوروبا.
تكامل فضائي يعزز الاستقلالية
في موازاة ذلك، يعزز المغرب توجهه نحو تحقيق قدر أكبر من الاستقلال المعلوماتي عبر الاستثمار في القدرات الفضائية، من خلال اقتناء أقمار اصطناعية متطورة مخصصة للاستطلاع عالي الدقة. وتوفر هذه الأقمار إمكانيات متقدمة في جمع الصور وتحليلها، بدقة تصل إلى مستويات دقيقة، ما يدعم عمليات المراقبة الحدودية والتخطيط العملياتي، ويعزز التنسيق بين مختلف مكونات القوات المسلحة.
نحو عقيدة دفاعية جديدة
في المحصلة، لا يمكن قراءة هذه التحولات بمعزل عن سياق أوسع يشهد إعادة تشكيل لمفاهيم الأمن والدفاع على الصعيد العالمي. فالمغرب، من خلال هذا التوجه، لا يسعى فقط إلى سد ثغرات تقنية، بل إلى بناء عقيدة عسكرية جديدة قوامها التكامل بين المعلومة والتكنولوجيا والقرار.
إن الانتقال إلى نموذج “الحرب الذكية” يضع المملكة أمام تحديات جديدة، تتعلق بضرورة مواكبة التطور التكنولوجي المتسارع، وتكوين موارد بشرية قادرة على إدارة هذه الأنظمة المعقدة. لكنه في المقابل، يمنحها أدوات فعالة لتعزيز موقعها الإقليمي، وضمان أمنها في بيئة استراتيجية لا تعترف إلا بمن يمتلك زمام المبادرة.