في شوارع بروكسيل وأحياء أنتويرب ولييج، حيث تتقاطع الثقافات وتتشابك الهويات، تنسج جمعيات الجالية المغربية خيوط عمل يومي صامت، لكنه عميق الأثر. بعيداً عن الأضواء، تشتغل هذه الجمعيات على جبهات متعددة، تتراوح بين الدعم الاجتماعي والقانوني، ومواكبة الفئات الهشة، والحفاظ على صلة متينة مع المغرب، باعتباره مرجعاً وجدانياً ومجالاً مستمراً للانتماء.
لم تعد هذه الجمعيات مجرد فضاءات ثقافية أو مناسباتية، بل تحولت إلى فاعل مدني أساسي داخل النسيج البلجيكي، يضطلع بأدوار تتجاوز التمثيل الرمزي للجالية، نحو التدخل المباشر في معالجة قضايا معقدة، من بينها الهجرة غير النظامية، والعنف ضد النساء، والهشاشة الاجتماعية.
بين الاندماج والوفاء للجذور
رغم مرور عقود على استقرار موجات الهجرة المغربية الأولى في بلجيكا، لا تزال علاقة الجالية ببلدها الأم حاضرة بقوة في عمل هذه الجمعيات. يتجلى ذلك في تنظيم أنشطة ثقافية ودينية مرتبطة بالمغرب، وفي الانخراط في مبادرات تضامنية خلال الأزمات، سواء عبر جمع التبرعات أو دعم مشاريع تنموية في مناطق الأصل.
غير أن هذا الارتباط لم يعد يقتصر على البعد العاطفي، بل أصبح يأخذ طابعاً مؤسساتياً، من خلال شراكات مع فاعلين مغاربة، ومساهمة في تأطير النقاش حول قضايا الهجرة والهوية، بما يعكس وعياً متزايداً بدور الجالية كجسر بين ضفتين.
الهجرة غير النظامية: مرافقة في الظل
في مواجهة تزايد أعداد المهاجرين غير النظاميين، خاصة من الشباب، تجد الجمعيات نفسها في الخطوط الأمامية لتقديم الدعم والمواكبة. خدمات تشمل التوجيه القانوني، والمساعدة في تسوية الوضعيات الإدارية، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي.
غالباً ما يتم هذا العمل في ظروف معقدة، تتطلب توازناً دقيقاً بين احترام القوانين المحلية ومراعاة الأوضاع الإنسانية للمهاجرين. وتبرز هنا أهمية الخبرة الميدانية التي راكمتها هذه الجمعيات، وقدرتها على بناء علاقات ثقة مع فئات تعيش في الهامش.
النساء المعنفات: ملاذ آمن ومسار نحو الاستقلال
قضية العنف ضد النساء داخل بعض أوساط الجالية تمثل تحدياً آخر تتصدى له الجمعيات بقدر كبير من الحساسية. إذ توفر العديد منها فضاءات للاستماع والدعم، وتعمل على مرافقة النساء المعنفات في مسارات قانونية واجتماعية معقدة، تشمل التبليغ، والحماية، وإعادة الإدماج.
ولا يقتصر الدور على التدخل بعد وقوع العنف، بل يمتد إلى العمل الوقائي، من خلال حملات توعية، وورشات تكوينية، تستهدف تغيير بعض التمثلات الاجتماعية، وتعزيز ثقافة المساواة والحقوق.
رهانات الاستمرارية والتأثير
رغم الأدوار الحيوية التي تضطلع بها، تواجه جمعيات الجالية المغربية في بلجيكا تحديات متعددة، من بينها محدودية الموارد، وتعقيد المساطر الإدارية، وأحياناً ضعف التنسيق بين الفاعلين. كما يطرح سؤال تجديد النخب داخل هذه الجمعيات نفسه بإلحاح، في ظل تحولات عميقة تعرفها تركيبة الجالية.
ومع ذلك، تظل هذه الجمعيات أحد أبرز تعبيرات المجتمع المدني المغربي في الخارج، بما تحمله من قدرة على التكيف، واستعداد دائم لخدمة الفئات الأكثر هشاشة.
في النهاية، لا يمكن اختزال دور جمعيات الجالية في مجرد العمل الاجتماعي، بل هي، في جوهرها، مساحة لإعادة تعريف الانتماء في سياق الهجرة: انتماء مزدوج، لا يتناقض، بل يتكامل، بين بلد الأصل وبلد الإقامة، في محاولة يومية لبناء توازن صعب… لكنه ممكن.