بروكسيل على إيقاع الملحون: مصطفى العمراني حين يتحول الكلام إلى فعل ثقافي جماعي
بوشعيب البازي
في زمنٍ تتسارع فيه وتيرة الحياة داخل المدن الأوروبية الكبرى، وتكاد فيه تفاصيل الهوية الثقافية تتوارى خلف إكراهات الاندماج اليومي، تبرز بين الفينة والأخرى مبادرات فردية تتحول، بهدوء وثبات، إلى أفعال جماعية ذات أثر عميق. هكذا يمكن قراءة تجربة مصطفى العمراني، أحد أفراد الجالية المغربية ببروكسيل، الذي اختار أن يجعل من “الكلام الموزون” مدخلاً لإحياء الذاكرة الجماعية، وإعادة ربط الأجيال بجذورها الثقافية.
في هذا السياق، يبرز اسم مصطفى العمراني ليس كمهاجر مغربي فحسب، بل كفاعل ثقافي يدرك رمزية الكلمة الموزونة في تشكيل الوعي الجماعي. فحين “حكم بالفراغ والنزيل” – وفق التعبير الزجلي – كان يؤسس، بشكل ضمني، لفكرة التوازن بين الانتماءين: انتماء إلى الوطن الأم، وآخر إلى فضاء الاستقبال. وهي معادلة دقيقة لا تتحقق إلا عبر أدوات رمزية قادرة على احتواء التعدد دون أن تفقد جوهرها.

ولا يمكن إغفال البعد العاطفي الذي تسلل إلى بعض المقاطع لكلماته ، كما في لحظة البكاء على “كحل الثلاث” في بروكسيل، وهي صورة شعرية تختزل مفارقة الاغتراب: الفرح بالحضور الجماعي يقابله حنين دفين إلى أمكنة بعيدة. هذا التوتر بين الفرح والحزن هو ما يمنح الزجل قوته التعبيرية، ويجعله قادراً على ملامسة وجدان الجالية.
إن تجربة مصطفى العمراني تطرح، في العمق، سؤالاً جوهرياً حول دور الفاعل الفردي في إعادة تشكيل الفضاء الثقافي للجاليات. فبعيداً عن الأطر المؤسساتية التقليدية، ينجح أحياناً أفراد، بدافع الشغف والالتزام، في خلق ديناميات جديدة تعيد الاعتبار للفن كوسيلة للربط بين الناس، وكأداة للحفاظ على الذاكرة.

لا يتعلق الأمر بزجال عابر، بل بمؤشر على حيوية ثقافية كامنة داخل الجالية المغربية ببروكسيل، تبحث عن أشكال تعبير جديدة دون أن تنفصل عن جذورها. وبين الكلمة الموزونة والنغمة المنسابة، يواصل مصطفى العمراني كتابة فصل آخر من فصول الحضور المغربي في أوروبا، حيث يصبح الكلام، فعلاً، أكثر من مجرد قول… إنه هوية تُعاش وتُجدد.