في الوقت الذي يراهن فيه المغرب على أوراش كبرى واستحقاقات دولية واعدة، وفي مقدمتها تنظيم كأس العالم 2030، تعيش أسر بسيطة في عدد من دواوير ضواحي الدار البيضاء على وقع القلق والخوف، بعدما وجدت نفسها أمام قرارات هدم مفاجئة، دون بدائل سكنية تحفظ الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.
من بين هذه المناطق، يبرز اسم دوار أولاد حدو، حيث تقول شهادات متطابقة إن السلطات شرعت في عمليات هدم طالت مساكن مواطنين محدودي الدخل، دون توفير بدائل سكنية منصفة تحفظ الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية. والأكثر إثارة للجدل، بحسب ما يرويه السكان، أن الأسر المتضررة مطالبة بأداء مبلغ يصل إلى 12 مليون سنتيم من أجل الاستفادة من شقة صغيرة في مناطق نائية، وهو مبلغ يفوق قدرة كثير من العائلات الهشة، ويضعها أمام خيارين قاسيين: إما التشرد أو الاستدانة من أجل “قفص إسمنتي” بعيد عن مصادر الرزق والخدمات الأساسية.
أي منطق هذا؟
حين يُطلب من أسرة عاشت لعقود في منطقة قريبة من المدينة، بنت علاقاتها الاجتماعية ومصدر رزقها هناك، أن ترحل إلى الهامش البعيد دون أي تعويض ، فإن الأمر لا يتعلق فقط بملف عقاري، بل بمصير إنساني واجتماعي كامل.
فالبيت بالنسبة للفقير ليس مجرد جدران وسقف، بل هو ذاكرة واستقرار وأمان. وعندما يتحول الهدم إلى قرار إداري بارد، دون حوار حقيقي أو بدائل منصفة، فإن الدولة تخاطر بفقدان أهم رأسمال: ثقة المواطن.
هل هي تحضيرات للمونديال؟
السؤال الذي يطرحه كثيرون بمرارة: هل أصبحت بعض الأحياء والدواوير الفقيرة تدفع ثمن تهيئة المدن استعداداً لكأس العالم؟ وهل صار المطلوب هو تنظيف الواجهات العمرانية بأي ثمن، ولو كان الثمن هو تشريد الفقراء؟
إذا كان تنظيم تظاهرة رياضية كبرى سيمر عبر سحق الطبقات الهشة وتهجيرها من أراضيها، فإن المغاربة سيقولون بوضوح: كرامة المواطن أولى من أي كأس وأغلى من أي صورة دعائية.
فلا معنى لملاعب حديثة إذا كان خلفها أطفال بلا مدارس، وأسر بلا مأوى، وشيوخ ينتظرون تعويضاً لا يكفي حتى لكراء مؤقت.
أم أن مافيا العقار تتحرك في الظل؟
الفرضية الثانية، وهي الأكثر تداولاً في الشارع، تتعلق بوجود لوبيات عقارية تستفيد من تحرير أراضٍ ذات قيمة مرتفعة، عبر ترحيل سكانها نحو مناطق أقل قيمة، ثم إعادة استثمار العقار الأصلي بأرباح خيالية.
إذا صحّ ذلك، فنحن أمام خطر حقيقي يمس العدالة الاجتماعية وهيبة القانون. لأن المغرب ليس غابة، ولا يجوز أن يتحول الفقير إلى الحلقة الأضعف في معادلة الربح العقاري.
الدولة المغربية قامت على المؤسسات، وعلى سلطة القانون، وعلى مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. لذلك فإن أي شبهة استغلال للنفوذ أو توظيف للسلطة لفائدة مصالح خاصة يجب أن تُفتح بشأنها تحقيقات شفافة وحازمة.
التنمية لا تكون ضد المواطن
لا أحد يعارض التحديث، ولا أحد يرفض تطوير المدن أو القضاء على السكن غير اللائق، لكن التنمية الحقيقية لا تُبنى بالجرافات وحدها، بل بالحوار، والإنصاف، والتعويض العادل، وإعادة الإيواء الكريم، واحترام الإنسان.
من حق الدولة أن تطور المدن، لكن من حق المواطن أيضاً أن يُعامل كمواطن، لا كعائق عمراني.
المغرب اليوم أمام امتحان أخلاقي وسياسي. فإما أن ينجح في التوفيق بين التنمية والعدالة الاجتماعية، وإما أن يربح مشاريع كبرى ويخسر قلوب البسطاء.
فلا كأس عالم يستحق دمعة أم أُخرجت من بيتها، ولا مشروع عقاري يبرر اقتلاع أسرة من جذورها.
كرامة المغاربة يجب أن تبقى فوق كل اعتبار.