سويسرا تواصل تشديد سياسة اللجوء تجاه المغاربيين: تعليق مساعدات العودة بين منطق الردع ومتطلبات الهجرة المنظمة
حنان الفاتحي
بروكسل : أقرت الحكومة السويسرية الاستمرار في تعليق صرف المساعدات المالية المخصصة للعودة الطوعية لفائدة طالبي اللجوء القادمين من دول المغرب الكبير، ممن سبق لهم تقديم طلبات لجوء في دولة أوروبية أخرى ضمن إطار “نظام دبلن”. ويأتي هذا القرار في سياق مراجعة أوسع لسياسات الهجرة واللجوء في الكنفدرالية، تروم الحد من ما تعتبره السلطات “استعمالاً انتهازياً” لآليات الدعم المالي المرتبطة بالعودة.
وتبلغ قيمة هذه المساعدات نحو ألف فرنك سويسري، وكانت تمنح لطالبي اللجوء الراغبين في العودة الطوعية إلى بلدانهم الأصلية، بهدف تسهيل إعادة الإدماج وتخفيف الأعباء الاجتماعية والإدارية المرتبطة بالإقامة غير النظامية. غير أن السلطات السويسرية ترى أن هذا الإجراء، الذي صُمم في الأصل كأداة إنسانية وتنظيمية، تحول في بعض الحالات إلى حافز يدفع أشخاصاً إلى تقديم طلبات لجوء دون توفر شروط الحماية، أملاً في الاستفادة من المبلغ المالي ثم المغادرة.
خلفية القرار: مراجعة فعالية أدوات العودة الطوعية
يستند القرار السويسري إلى تقييم رسمي خلص إلى أن بعض فئات طالبي اللجوء، خاصة القادمين من بلدان تُعتبر ذات نسب قبول متدنية، باتوا ينظرون إلى برامج العودة الطوعية باعتبارها منفعة مالية أكثر من كونها آلية لتسوية الوضع القانوني.
وفي هذا الإطار، اعتبرت أمانة الدولة للهجرة أن استمرار صرف المساعدات لفائدة أشخاص سبق لهم تسجيل طلبات لجوء في دول أوروبية أخرى، يشجع على التنقل داخل الفضاء الأوروبي بحثاً عن مزايا إجرائية أو مالية، وهو ما يتعارض مع فلسفة “نظام دبلن” القائم على تحديد الدولة المسؤولة عن دراسة ملف اللجوء ومنع تعدد الطلبات.
لذلك، اختارت برن الإبقاء على التعليق بالنسبة لهذه الفئة، مع الاستمرار في منح المساعدات لطالبي اللجوء الذين لم يسبق لهم تقديم طلب في دولة أوروبية أخرى، إذا اختاروا العودة الطوعية إلى بلدانهم الأصلية.
المغاربيون ونسب القبول المحدودة
تشير المعطيات الرسمية إلى أن مواطني دول المغرب الكبير، لا سيما المغرب والجزائر وتونس، يواجهون فرصاً محدودة للغاية للحصول على صفة اللجوء في سويسرا، بالنظر إلى تصنيف هذه الدول ضمن البلدان التي لا تعرف نزاعات عامة تبرر الحماية الجماعية، مع بقاء إمكان قبول بعض الحالات الفردية المرتبطة بالاضطهاد الشخصي أو الظروف الخاصة.
وخلال العام الماضي، تقدم نحو 3600 شخص من المنطقة المغاربية بطلبات لجوء في سويسرا، في حين تم نقل قرابة 900 منهم إلى دول أوروبية أخرى تطبيقا لقواعد دبلن. كما استفاد 287 مواطناً جزائرياً من مساعدات العودة قبل تشديد القيود الأخيرة.
وتعكس هذه الأرقام استمرار الضغط الذي تمثله الطلبات ذات فرص النجاح الضعيفة على منظومة اللجوء، سواء من حيث التكاليف أو القدرة الاستيعابية أو آجال البت في الملفات.
“إجراء 24 ساعة”: نموذج المعالجة السريعة
في سياق هذا التشدد، يبرز ما يعرف بـ”إجراء 24 ساعة”، الذي أطلقته السلطات السويسرية لتسريع البت في الملفات التي تعتبرها ضعيفة الحظوظ من الناحية القانونية. ويقوم هذا النظام على دراسة أولية سريعة للطلبات المقدمة من جنسيات تعرف معدلات قبول منخفضة، بهدف إصدار قرارات مبكرة وتخفيف الضغط على مراكز الإيواء والإدارة المختصة.
ويرى المدافعون عن هذا النموذج أنه يحقق قدراً من الفعالية الإدارية، ويمنع تراكم الملفات، ويبعث برسالة واضحة إلى شبكات الهجرة غير النظامية بأن تقديم طلب لجوء دون مبررات جدية لن يؤدي إلى إقامة طويلة أو امتيازات اجتماعية.
في المقابل، يثير هذا المسار نقاشاً حقوقياً حول ضرورة ضمان التقييم الفردي الدقيق لكل حالة، وعدم اختزال الملفات في الانتماء الجنسي أو المؤشرات الإحصائية العامة.
بين الردع والتنظيم
القرار السويسري يعكس اتجاهاً أوروبياً متزايداً نحو الجمع بين حماية حق اللجوء الحقيقي، وتشديد الإجراءات ضد الطلبات التي توصف بأنها “اقتصادية” أو “تكتيكية”. فالدول الأوروبية تواجه منذ سنوات معادلة معقدة: كيف يمكن الحفاظ على الالتزامات الإنسانية دون تحويل أنظمة اللجوء إلى بديل للهجرة الاقتصادية غير النظامية؟
ومن هذا المنظور، فإن تعليق مساعدات العودة لا يستهدف مبدأ الدعم في حد ذاته، بل يرمي إلى إعادة توجيهه نحو الفئات التي تستجيب لشروطه الأصلية، أي أولئك الذين دخلوا المسطرة بشكل مباشر ويرغبون في المغادرة الطوعية دون استغلال الثغرات التنظيمية.
انعكاسات على دول المصدر
قد تكون لهذا القرار تداعيات غير مباشرة على بلدان المغرب الكبير، إذ يسلط الضوء مجدداً على دوافع الهجرة المرتبطة بالبطالة، وصعوبة الإدماج المهني، وتفاوت الفرص الاقتصادية، وهي عوامل تدفع بعض الشباب إلى سلوك مسارات غير مضمونة نحو أوروبا، حتى مع علمهم بضعف فرص الحصول على اللجوء.
كما يعيد القرار طرح أهمية التعاون بين دول المصدر ودول الاستقبال في مجالات إعادة القبول، وتبادل المعلومات، وبرامج الإدماج الاقتصادي، بما يحد من الهجرة غير النظامية ويعزز الهجرة القانونية والمنظمة.
إن استمرار سويسرا في تعليق مساعدات العودة لفئة من طالبي اللجوء المغاربيين يعبر عن تحول في إدارة ملف الهجرة من منطق المعالجة الاجتماعية وحدها إلى منطق النجاعة والردع التنظيمي. وبين مقتضيات حماية طالبي اللجوء الحقيقيين، والحاجة إلى ضبط المساطر ومنع إساءة استخدامها، تبدو برن عازمة على إعادة هندسة سياستها في هذا المجال بما ينسجم مع التحولات الأوروبية الأوسع في ملف الهجرة والحدود.