القنيطرة – لم يكن تنظيم المغرب لبطولة كأس أمم إفريقيا 2025 مجرد نجاح رياضي عابر، بل شكّل تجسيداً عملياً لاستراتيجية وطنية طويلة الأمد، تُحوِّل الرياضة، وخاصة كرة القدم، إلى رافعة للقوة الناعمة وأداة نفوذ جيوسياسي محسوب في محيط إقليمي ودولي شديد التنافس.
هذا البعد الاستراتيجي برز بوضوح في التغطيات الإعلامية الدولية، آخرها ما بثّته قناة “سبورت إيطاليا”، حيث أثار تصريح المذيع الإيطالي ميشيل كريسيتييلو تفاعلاً واسعاً بعد مقارنته الصريحة بين جودة التنظيم والبنية التحتية في المغرب، وما وصفه بتدهور واقع الملاعب والتنظيم في بلاده.
وخلال برنامج SiCafè، عرضت القناة لقطات للملاعب المغربية ومحيطها الحضري، مركزة على جودة الطرق، سلاسة الولوج، مواقف السيارات، والتنظيم اللوجستي، قبل أن يعلّق كريسيتييلو بلهجة صادمة: “لو حدث هذا عندنا، لاعتُبر من العالم الثالث… لكن الحقيقة أن العالم الثالث هو نحن في إيطاليا”.
تصريح سرعان ما انتشر على منصات التواصل، واعتُبر في الأوساط المغربية إقراراً أوروبياً نادراً بقدرة دولة إفريقية على فرض معايير تنظيمية تضاهي – بل تتجاوز – ما هو موجود في بعض العواصم الأوروبية.
إشادة دولية تتجاوز الرياضة
وتأتي هذه الشهادة الإيطالية ضمن موجة أوسع من الإشادات الدولية. فقد وصفت وسائل إعلام فرنسية، من بينها RMC Sport وL’Équipe، التنظيم بـ“المثالي”، معتبرة أن المغرب وضع معياراً جديداً للأحداث الرياضية الإفريقية. أما BBC Sport فاعتبرت البطولة “تحولاً نوعياً” في الخبرة التنظيمية المغربية، خصوصاً في أفق الاستعداد لكأس العالم 2030.
من جهتها، أبرزت صحيفة The Guardian البريطانية تحوّل المغرب إلى “وجهة عالمية” قادرة على احتضان أكبر التظاهرات، مشيرة إلى الحماس الشعبي والأجواء الاستثنائية، فيما نقلت تقارير عن الأمين العام للفيفا، ماتياس غرافستروم، إشادته بما وصفه بـ“المعيار العالمي” الذي بلغه التنظيم المغربي، من التخطيط إلى التنفيذ.
أرقام تعكس مشروع دولة
على المستوى العملي، سجّلت البطولة أرقاماً غير مسبوقة: أكثر من 1.1 مليون متفرج في المدرجات، اعتماد 3800 إعلامي، بث تلفزيوني في أكثر من 180 دولة، واستخدام أحدث تقنيات الإنتاج السمعي البصري، من كاميرات العناكب والدرونات إلى اللقطات فائقة البطء، بما عزز صورة الحدث كمنتَج عالمي متكامل.
اقتصادياً، حققت البطولة إيرادات تُقدَّر بـ192.6 مليون دولار، منها 126.16 مليون دولار من الرعايات، إلى جانب جوائز مالية بلغت 32 مليون دولار، ما يؤكد أن كرة القدم في المغرب لم تعد حدثاً موسمياً، بل صناعة قائمة بذاتها.
رؤية تتجاوز الحدث
ويرى محللون دبلوماسيون أن هذه الإشادات لا يمكن فصلها عن رؤية مغربية أوسع، تعتبر الرياضة أداة للنفوذ غير المباشر وبناء الثقة الدولية. ففي سياق الاستعداد لكأس العالم 2030، بات “كان 2025” بمثابة اختبار شامل لقدرة الدولة على الجمع بين العمق الإفريقي والمعايير العالمية.
في هذا السياق، أكد فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، أن تجربة المغرب “تُجسّد الدور الاستراتيجي للرياضة في التنمية الاجتماعية والاقتصادية”، مشيراً إلى أكاديمية محمد السادس لكرة القدم كنموذج لاستثمار طويل الأمد في رأس المال البشري الرياضي.
من جانبه، أوضح عمر خياري، مستشار لقجع، أن الاستثمارات في الملاعب والبنية التحتية “لم تكن مرتبطة بالبطولة في حد ذاتها، بل هي جزء من استراتيجية تنموية شاملة”، معتبراً أن جاهزية المغرب “نتاج رؤية واستمرارية مؤسساتية، لا رد فعل ظرفي”.
وقد استثمر المغرب أكثر من 5 مليارات دولار في الملاعب، النقل، الضيافة، والخدمات الحضرية، ما سرّع وتيرة التحديث، وجعل الحدث الرياضي محفزاً للتنمية بدل عبء عليها.
كرة القدم كإعلان جيوسياسي
في عالم يتزايد فيه التشرذم وعدم اليقين، تحوّلت السيطرة على الفضاءات الرمزية – ومنها الرياضة – إلى عنصر مركزي في بناء النفوذ. ومن هذا المنظور، شكّل تنظيم كأس أمم إفريقيا 2025 إعلاناً جيوسياسياً هادئاً عن طموح مغربي يسعى إلى ترسيخ الاستقرار