واشنطن تعيد ترتيب الأوراق: البوليساريو في مواجهة الواقع الأمني قبل السياسي

بوشعيب البازي

كان يفترض أن تكون الرحلة الأمريكية لوفد جماعة البوليساريو مناسبة دبلوماسية لعرض “الأطروحات السياسية” حول الصحراء المغربية، لكنها تحولت إلى درس قاسٍ في أولويات واشنطن. فالاستقبال، كما وصفته مصادر متابعة، كان بارداً إلى حد يُذكر الجميع بأن الولايات المتحدة لا تساوي بين الرغبات والواقع.

وفوجئ الوفد، الذي كان يحلم بصالونات وزارة الخارجية ومؤتمرات صحفية تتحدث عن “حق تقرير المصير”، بأن من سيستمع إليه هو جون راتكليف، مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA). لا ابتسامات دبلوماسية، لا كاميرات، لا كلمات مطاطية… بل لغة حازمة للغاية، تركت الأوساط المرافقة في تندوف في حالة من الصدمة العميقة.

وبحسب مصادرنا، كان التركيز كلياً على الأمن ومكافحة الإرهاب، مع تحذيرات دقيقة حول تورط بعض العناصر التابعة للجماعة في أنشطة متطرفة عبر الحدود، وليس على “الأحلام السياسية القديمة”. بمعنى آخر: الواقع لا يُناقش في الاجتماعات الرسمية، ويُعالج الأمن أولاً.

هذا التوجه يعكس تحولاً أمريكياً واضحاً: أي مناورة سياسية، أي شعارات تاريخية، لم تعد تجد صدى في أروقة القرار. المقابل المغربي، بالمقابل، يحظى بـ دعوة رسمية للانضمام إلى مجلس السلم العالمي، ليصبح شريكاً موثوقاً في حفظ الاستقرار الإقليمي، بينما البوليساريو صار مجرد “ملف أمني” على جدول وكالة الاستخبارات.

المحللون يشيرون إلى أن هذه المعاملة الثنائية ترسخ الفارق الشاسع بين شريك استراتيجي موثوق وبين جماعة تعتمد على دعم خارجي غير مستقر. ولعل الأكثر إحراجاً للقيادة في تندوف هو عدم قدرتها على تقديم أي أفق سياسي واقعي لسكان المخيمات، خصوصاً بعد القرار الأممي رقم 2797 الذي يكرس الحكم الذاتي المغربي كإطار لحل النزاع.

المفارقة الساخرة هنا تكمن في تصادم التوقعات مع الواقع: بينما كانت القيادة تتصور لقاءات دبلوماسية مريحة، وجدت نفسها أمام محاضرة أمنية دقيقة، مرفقة بتحذيرات واضحة قد تُسبق عقوبات دولية محتملة. باختصار، ما اعتقدت أنه سيكون منصة لرفع الشعارات، تحوّل إلى جلسة محاكمة أمنية بامتياز.

وفي أوساط المتابعين، يُلاحظ أن هذا الانسداد في الأفق السياسي، مع تصاعد الضغط الأمريكي، قد يكون مؤشراً على تصدع داخلي محتمل داخل الجماعة، إذ تتسع الهوة بين وعود القيادة والواقع الدولي الجديد. أو كما يقول أحد المحللين: “الهواء السياسي أصبح رقيقاً، والواقع الأمني ثقيل… ومن لم يفهم الدرس الأمريكي قد يجد نفسه محاطاً بالهواء فقط.”

الدرس الأمريكي واضح: من يبحث عن الشرعية الدولية يجب أن يلعب وفق القواعد الحقيقية، لا وفق الأوهام القديمة. والبوليساريو، على ما يبدو، اكتشفت أن واشنطن لا تعترف بالخيالات السياسية… بل فقط بالحقائق الأمنية والمصالح الاستراتيجية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com