الحاكم الذي لا يُنتخب كيف تُدار «الكاف» من مكتب لا يظهر في الصور؟

بوشعيب البازي

Screenshot

في الصورة المتداولة، لا نرى رئيساً ولا نجماً كروياً، بل رجلاً يشبه موظفاً دولياً عادياً، بملامح محايدة تصلح لكل المؤتمرات. ومع ذلك، تشير تسريبات متقاطعة في الأوساط الرياضية الدولية إلى أن هذا الرجل، فيرون موسينغو أومبا، الأمين العام للاتحاد الإفريقي لكرة القدم، هو من يكتب السطور الدقيقة في دفاتر العقوبات، ويضبط هوامش الصرامة والليونة… حسب الجغرافيا.

ليس اتهاماً مباشراً، ولا نظرية مؤامرة، بل سؤالاً مشروعاً: من يقرر فعلاً داخل الكاف؟

رجل الفيفا الذي استقر في الكاف

خلافاً للصورة الشائعة التي تختزل النفوذ في الوجوه المنتخبة، فإن أومبا يمثل نموذجاً مختلفاً: نفوذ بلا صناديق اقتراع.

الرجل ليس طارئاً على دوائر القرار. مساره المهني يمر مباشرة من مكاتب الفيفا إلى قلب الكاف، في انتقال وُصف عام 2021 بأنه «إداري»، لكنه فُهم سياسياً على نطاق واسع باعتباره وضع الكرة الإفريقية تحت إدارة تنفيذية قادمة من زيورخ.

العلاقة التي تجمعه بجياني إنفانتينو ليست مجرد تنسيق مهني، بل صداقة قديمة تعود لسنوات الدراسة، تحولت مع الوقت إلى ثقة مطلقة. وفي عالم المنظمات الدولية، الثقة أهم من اللوائح.

رئيس في الواجهة… وحاكم في الكواليس

باتريس موتسيبي يظهر في الواجهة: خطابات، صور، ووعود إصلاح.

أما أومبا، فيُفضّل ما وراء الستار: التوقيعات، التعيينات، وضبط الإيقاع.

تقارير صحفية أوروبية، من بينها توصيفات لصحف بريطانية، تحدثت عن إدارة «مركزية مفرطة» للكاف، حيث تقلصت أدوار اللجان المستقلة، وتحولت الهياكل المنتخبة إلى أجهزة تصديق أكثر منها فضاءات نقاش.

في هذا النموذج، لا يُلغى القرار الجماعي، لكنه يُفرغ من محتواه. والنتيجة: اتحاد قاري يُدار بروح شركة متعددة الجنسيات، لا بروح مؤسسة رياضية إفريقية.

حين تصبح العقوبات لغة سياسية

هنا تبدأ الأسئلة الحساسة.

تشدد لافت في ملفات مغربية، مقابل مرونة تكاد تكون نموذجية مع اتحادات أخرى.

هل هي مصادفة إدارية؟ أم اختلاف في التأويل؟

أم أن القانون، كما هو معروف في دهاليز الكرة، مرن بقدر من يطبّقه؟

مصادر داخل الكاف تحدثت عن تسريبات مبكرة تخص ملفات مغربية، خرجت إلى الإعلام قبل أي إعلان رسمي، في توقيت دقيق، وبطريقة محرجة. وهو ما فتح الباب لتأويلات حول وجود «حرب باردة» صامتة بين الأمانة العامة وتكتلات كروية وازنة، من بينها الجامعة الملكية المغربية.

لا أدلة قاطعة، لكن تراكم الإشارات يصنع مناخاً لا يمكن تجاهله.

مسؤول فوق العاصفة؟

في يناير 2025، أُغلقت في سويسرا ملفات قضائية مرتبطة بمكافآت مالية داخل الفيفا، بعد تبرئة قانونية واضحة. قانونياً، انتهى الملف.

لكن في عالم السمعة المؤسساتية، البراءة لا تمحو الأسئلة، بل تغيّر صيغتها.

داخل الكاف، لا يزال يُنظر إلى أومبا كمسؤول «يصعب مساءلته»، لا لأنه فوق القانون، بل لأنه يمسك بمفاتيح إجرائية تجعل المساءلة معقدة.

ما بعد الكاف… استمرار النفوذ

مع اقتراب سن التقاعد الإداري، لا يبدو أن أومبا يستعد للانسحاب. على العكس، تشير معطيات متداولة إلى تحضيره للترشح لرئاسة الاتحاد الكونغولي، بدعم غير معلن من الفيفا.

الهدف واضح: الانتقال من نفوذ إداري إلى شرعية انتخابية محلية، مع الاحتفاظ بشبكة العلاقات القارية. تغيير الموقع، لا الدور.

الكاف تُدار… لكن من أين؟

فيرون موسينغو أومبا ليس شيطاناً كروياً، ولا مجرد موظف تقني.

إنه نموذج لمرحلة تُدار فيها الكرة الإفريقية بعقلية الحوكمة الدولية، حيث تصبح اللوائح أدوات، لا مرجعيات.

أما السؤال الحقيقي، فليس عن أومبا وحده، بل عن قدرة الاتحادات القارية الكبرى، ومنها المغرب، على قراءة موازين القوة داخل الكاف، والتفاعل معها بذكاء استراتيجي لا بردود فعل ظرفية.

في كرة القدم، كما في السياسة، من لا يجلس إلى الطاولة، يُدرج غالباً… في خانة القرارات الجاهزة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com