غار جبيلات… حين يتحول المنجم إلى خطاب، والحديد إلى ضجيج

حنان الفاتحي

Screenshot

ليس كل ما يُلمّع يصدأ، وليس كل ما يُضخَّم يُنتج. هكذا يمكن اختصار الحكاية الطويلة لمنجم غار جبيلات، الذي عاد إلى الواجهة لا بفضل قطارات محمّلة بالحديد، بل عبر عناوين إعلامية مثقلة بالوعود، وخطابات سياسية تتحدث عن “كنز استراتيجي” قبل أن تجد طريقها إلى أي مؤشر اقتصادي ملموس.

منذ سنوات، والمنجم يُستعمل أكثر مما يُستثمر. فبين الحديث عن احتياطات هائلة، وأرقام تُستحضر عند الحاجة فقط، يغيب السؤال البسيط: أين هو الأثر؟ لا طفرة صناعية، ولا صادرات تُغيّر ميزان التجارة، ولا انعكاس فعلي على سوق العمل أو النمو. وحده الخطاب هو الذي يُستخرج بكثافة.

إعادة بعث هذا الملف في هذا التوقيت بالذات ليست صدفة بريئة ولا شغفاً مفاجئاً بالتعدين. نحن أمام توقيت سياسي دقيق، أُخرجت فيه اتفاقيات قديمة من الأدراج، وأُعيد تسويق فكرة “إعادة التفاوض” بلغة اقتصادية ناعمة، هدفها الحقيقي ليس الحديد، بل فتح جبهة نقاش دبلوماسي مع المغرب من باب جانبي.

السيناريو معروف: تضخيم المنجم، رفع منسوب الاستفزاز الإعلامي، انتظار رد مغربي، ثم البناء عليه سياسياً. لكن ما لم يتم استيعابه هو أن الرباط لا تتعامل مع الملفات الاستراتيجية بمنطق رد الفعل، ولا تقايض الهدوء بالحماسة، ولا تنجرّ إلى مفاوضات صاخبة عندما يكون العائد الاقتصادي افتراضياً والمخاطر السياسية حقيقية.

في الحسابات الرصينة، الصمت ليس دائماً فراغاً، بل أحياناً موقف محسوب. وعندما يكون المشروع أكثر ضجيجاً من إنتاج، وأكثر خطاباً من أرقام، يصبح تجاهله خياراً ذكياً لا علامة ضعف.

غار جبيلات، في وضعه الحالي، ليس منجماً بالمعنى الاقتصادي الصارم، بل ورقة ضغط مُغلفة بلغة التنمية. ومن بالغ في تسويقه اكتشف أن الصدى الإعلامي لا يكفي لصناعة واقع، وأن الصمت المغربي، هذه المرة، كان أثقل وزناً من كل التصريحات.

ففي السياسة، كما في التعدين، ليست كل الضربات على الصخر تؤدي إلى استخراج شيء ذي قيمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com