الدولة في لحظة الاختبار: فيضانات القصر الكبير كنموذج لإدارة الأزمات والسيادة الوظيفية

بوشعيب البازي

لا تُقاس قوة الدول في أزمنة الرخاء والاستقرار، ولا تُختزل في الشعارات السياسية أو الخطابات التعبوية، بل تتجلى حقيقتها في اللحظات الحرجة، حين تتقاطع المخاطر وتصبح حياة المواطنين على المحك. في تلك اللحظات الفارقة، يُختبر جوهر “الدولة” بوصفها كيانًا مؤسساتيًا قادرًا على حماية الإنسان قبل البنيان، وضمان الكرامة قبل الشرعية الشكلية.

ما شهدته مدينة القصر الكبير وجهة طنجة–تطوان–الحسيمة خلال الأسابيع الأخيرة، في مواجهة فيضانات استثنائية غير مسبوقة منذ عقود، لم يكن مجرد تدخل تقني ظرفي، بل شكّل مشهدًا مركبًا لدولة تتحرك بكامل أدواتها السيادية: قرار ملكي حاسم، تنفيذ ميداني منسق، وانخراط مجتمعي منضبط. لقد عكست هذه التجربة نموذجًا عمليًا لإدارة الأزمات قائمًا على الاستباق والجاهزية، لا على ردّ الفعل المتأخر.

إن إخلاء مدينة يقطنها عشرات الآلاف في وقت وجيز، دون تسجيل فوضى أو انفلات أمني، ودون أي احتكاك بين السلطات والمواطنين، يُعد مؤشرًا نادرًا في السياق المقارن لإدارة الكوارث. وهو دليل على وجود ما يمكن تسميته بـ“العقد الاجتماعي العملي”، حيث لا يُبنى الامتثال على الخوف من السلطة، بل على الثقة في قراراتها. لقد تجاوب المواطنون مع التحذيرات الرسمية عن قناعة بأن هذه الإجراءات تمثل آلية للإنقاذ لا أداة للضبط.

في هذا السياق، تحولت مؤسسات الدولة—من القوات المسلحة الملكية، إلى السلطات المحلية، والأمن الوطني، والوقاية المدنية—إلى منظومة متكاملة تعمل كـ“جسد واحد”، بمستوى عالٍ من التنسيق والجاهزية. وقد سمح هذا التكامل بتحويل سيناريو كارثي محتمل إلى تجربة ناجحة في التدبير الاستباقي، تُدرّس ضمن نماذج الحوكمة الرشيدة في إدارة المخاطر الطبيعية.

ويبرز الدور المحوري للقوات المسلحة الملكية باعتبارها ركيزة أساسية في منظومة الحماية الوطنية. فقد أكد الجيش المغربي، تحت القيادة العليا للملك محمد السادس، القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة، أنه لم يعد مؤسسة عسكرية تقليدية محصورة في حماية الحدود، بل فاعلًا استراتيجيًا متعدد الوظائف، يمتلك قدرات لوجستية وتقنية وعلمية متقدمة للتدخل في حالات الطوارئ والكوارث الطبيعية.

وتعكس المعطيات الرقمية حجم التحدي وحدّة المخاطر؛ إذ بلغت حقينة سد وادي المخازن حوالي 945 مليون متر مكعب، بنسبة ملء تجاوزت 140% نتيجة واردات مائية قياسية إلى حدود 2 فبراير الجاري. في سياقات أخرى، كان هذا الرقم كفيلًا بإحداث فاجعة إنسانية، غير أن اليقظة المستمرة والتدبير التقني المحكم جنّبا المنطقة أسوأ السيناريوهات، بما يؤكد تطور الكفاءة المؤسساتية المغربية في تدبير الموارد والمخاطر.

غير أن الدولة لم تكن الفاعل الوحيد في الميدان؛ فقد برز “الإنسان المغربي” بوصفه بطلًا موازيًا في هذه الملحمة الجماعية. مشاهد التضامن العفوي، حيث فتحت الأسر بيوتها لاستقبال المتضررين، أعادت إلى الذاكرة الوطنية روح التلاحم التي برزت خلال زلزال الحوز. في مثل هذه اللحظات، تتراجع الفردانية لصالح الجماعة، ويُعاد تعريف الملكية لتصبح الغذاء والدواء والمأوى حقوقًا مشتركة.

ومن الزوايا اللافتة في هذه التجربة اعتماد المغرب الواضح على مبدأ “الاعتماد على الذات”. فلم تلجأ الدولة إلى طلب مساعدات خارجية، بل واجهت الأزمة بإمكاناتها الوطنية، في تجسيد عملي لمفهوم السيادة الوظيفية. فالدولة التي تعجز عن حماية مواطنيها بقدراتها الذاتية تظل سيادتها منقوصة، مهما بلغت قوة خطابها السياسي.

ويكتسب هذا الحدث بعدًا رمزيًا إضافيًا حين نستحضر دلالة اسم سد “وادي المخازن”. فالتسمية تحيل إلى معركة الملوك الثلاثة عام 1578، إحدى أبرز المحطات في التاريخ المغربي، حيث واجه المغرب آنذاك محاولة كسر سيادته من قوى استعمارية كبرى، وانتصر بفضل الذكاء الاستراتيجي ووحدة القرار. واليوم، يخوض المغرب “معركة وادي مخازن” جديدة، لا ضد جيوش غازية، بل ضد الطبيعة والتغيرات المناخية، مستخدمًا أدوات مختلفة: التخطيط، المؤسسات، والمعرفة التقنية.

وإذا كانت معركة الأمس قد حُسمت بالسيوف والخيول، فإن معركة اليوم تُحسم بالحكامة، والتدبير الاستراتيجي، والتلاحم المجتمعي. وما حدث في القصر الكبير ينبغي إدراجه ضمن مسار أشمل لبناء الدولة المغربية الحديثة، بدءًا من تدبير جائحة كورونا، مرورًا بالاستجابة السريعة لزلزال الحوز، وصولًا إلى النجاحات الدبلوماسية والرياضية والتنظيمية الكبرى.

إننا أمام تراكم فعلي لخبرة مؤسساتية في إدارة الأزمات، تُعيد تعريف مفهوم القوة في العلاقات الدولية. فالقوة لم تعد تُقاس فقط بامتلاك السلاح، بل بالقدرة على حماية الكرامة الإنسانية في أحلك الظروف. وسيظل المغرب، بتلاحم عرشه وشعبه، نموذجًا لدولة قادرة على تحويل الأزمات إلى فرص لتعزيز التماسك الوطني وترسيخ السيادة الحقيقية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com