لقاء مدريد حول الحكم الذاتي: انتقال النزاع من منطق المواقف إلى منطق التنفيذ
بوشعيب البازي
اختُتم لقاء مدريد حول مقترح الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية، المنعقد بوساطة أمريكية مباشرة، دون عقد مؤتمر صحفي مشترك، في سيناريو كان متوقعًا بالنظر إلى حساسية المرحلة وطبيعة التوازنات الدقيقة التي تحكم هذا الملف. اختيار الوفد الأمريكي البقاء منفردًا داخل السفارة لصياغة بيان ختامي يصدر من واشنطن، وليس من مدريد، يحمل في حد ذاته دلالة جيوستراتيجية واضحة: الولايات المتحدة باتت تمسك بخيوط المسار، وتتحكم في إيقاعه وسرديته السياسية.
ترسيخ المبادرة المغربية كمرجعية وحيدة للنقاش
أبرز مخرجات الاجتماع، وفق معطيات متقاطعة، يتمثل في القبول الجماعي بما يُعرف بـ“الوثيقة التقنية” المغربية المحيّنة، الممتدة على نحو أربعين صفحة، باعتبارها الإطار الوحيد المطروح للنقاشين الفني والسياسي. هذا التطور يُعد تحوّلًا نوعيًا في مسار النزاع، إذ أنهى عمليًا مرحلة “تعدد المقترحات” التي استُخدمت لسنوات كآلية لتعطيل التقدم. قبول هذا الإطار، بما في ذلك من طرف الجزائر، لا يعني تبنيًا سياسيًا فوريًا، لكنه يُشكل اعترافًا ضمنيًا بأن سقف التفاوض لم يعد مفتوحًا على كل الاحتمالات.
من السياسة إلى التقنية: إنشاء اللجنة الدائمة
في خطوة تعكس انتقال الملف إلى مرحلة أكثر تقدمًا، تم الاتفاق على تأسيس لجنة تقنية دائمة تضم خبراء قانونيين ومؤسساتيين، تعمل تحت إشراف أمريكي-أممي مشترك. مهمة هذه اللجنة تتمثل في دراسة تفاصيل تنزيل الحكم الذاتي، بما يشمل الجوانب الضريبية، والتنظيم القضائي، والأمن المحلي، وتوزيع الصلاحيات. في التحليل الجيوستراتيجي، يُعد هذا الانتقال من الخطاب السياسي العام إلى النقاش التقني الدقيق مؤشرًا على دخول الملف مرحلة “اللاعودة الرمزية”.
خارطة طريق إجرائية نحو واشنطن
نجحت الوساطة الأمريكية كذلك في بلورة اتفاق إجرائي يحدد ملامح المرحلة المقبلة، من خلال برمجة جولة تفاوضية جديدة في واشنطن خلال شهر ماي القادم، يُنتظر أن تُتوَّج بالتوقيع على “اتفاق إطار” سياسي. هذا التطور ينقل مركز الثقل من المسارات الأممية التقليدية إلى دينامية تقودها واشنطن مباشرة، بما يحمله ذلك من إعادة توزيع للأدوار داخل هندسة الوساطة الدولية.
قراءة استراتيجية في مآلات الاجتماع
يخرج المغرب من لقاء مدريد وهو في موقع مريح استراتيجيًا، بعدما نجح في فرض منطق الواقعية السياسية، وحوّل مبادرته إلى المرجع الوحيد للنقاش. في المقابل، عززت الولايات المتحدة موقعها كوسيط فعلي قادر على تحريك ملف ظل لعقود رهينة الجمود الأممي. أما الجزائر، فتجد نفسها أمام أعلى مستوى من الضغط الدبلوماسي منذ بداية النزاع، مع تضييق هامش المناورة، وانتقال الملف من الشعارات إلى التفاصيل التنفيذية.
ما بعد مدريد: مرحلة البيان والرسائل
المرحلة القريبة ستتحدد بلهجة ومضمون البيان المنتظر صدوره من واشنطن، والذي يُرجح أن يتضمن عبارات قوية تؤكد الدعم الأمريكي للمسار القائم على السيادة المغربية والحكم الذاتي، مع دعوة صريحة للأطراف للانتقال من النقاش إلى التنفيذ. عند هذه النقطة، لن يكون السؤال من يفاوض، بل من يملك القدرة السياسية على مواكبة التحول.
لقاء مدريد لم يكن سهلًا، لكنه كان حاسمًا. فالمغرب كسب المعركة الإطارية، والولايات المتحدة أمسكت بزمام الوساطة، بينما دخلت الجزائر مرحلة دفاع دبلوماسي غير مسبوقة. ومن هنا، لم يعد النزاع سؤال نوايا… بل اختبار قدرة على التكيّف مع واقع دولي جديد.