النموذج المغربي للأمن الشامل: من تحصين السيادة إلى هندسة الاستقرار الجيوسياسي

مجدي فاطمة الزهراء

في عالم تتسارع فيه التحولات الأمنية وتتداخل فيه التهديدات الصلبة والناعمة، يبرز النموذج المغربي كحالة استثنائية في هندسة الأمن القومي، بعدما نجح في الانتقال من منطق التدبير الظرفي للأزمات إلى بناء عقيدة سيادية متكاملة للأمن الشامل، تقوم على الاستباق، وتكامل الأدوار، وتلازم الحماية المادية بالتحصين الروحي والفكري.

لقد أدركت الدولة المغربية مبكراً أن أمن القرن الحادي والعشرين لم يعد يُختزل في حماية الحدود الجغرافية، بل بات رهيناً بحماية العقول، وضبط الفضاءات الرمزية، وتأمين العمق المجتمعي ضد الاختراقات الإيديولوجية. ومن هذا المنطلق، تشكل اليقظة الدائمة للقوات المسلحة الملكية، المدعومة بنظم مراقبة تكنولوجية متقدمة وأحزمة دفاعية متعددة الطبقات، حجر الأساس في تحصين التراب الوطني وتوفير العمق الاستراتيجي الذي تتحرك داخله باقي الأجهزة الأمنية والاستخباراتية بكفاءة وانسجام.

الأمن كمنظومة سيادية لا كاستجابة ظرفية

إن إحياء اليوم الدولي لمنع التطرف العنيف عندما يفضي إلى الإرهاب، لا يمثل في السياق المغربي مجرد محطة رمزية، بل لحظة تقييم عميق لمسار استراتيجي طويل، اختارت فيه المملكة القطيعة مع المقاربات الأمنية التقليدية القائمة على رد الفعل، لصالح هندسة استباقية تستهدف تفكيك التهديد في منبعه البنيوي قبل تحوله إلى فعل مادي.

هذا التحول يعكس إرادة سيادية واضحة، جعلت من الأمن مشروع دولة ممتداً، لا يخضع لإكراهات الظرف أو ضغط الأحداث، بل يتأسس على إصلاحات هيكلية غائرة في الحقول الدينية، والاجتماعية، والتربوية، بما يحول دون تحويل الهشاشة المجتمعية إلى مادة خام للاستقطاب المتطرف.

إمارة المؤمنين: صمام الأمان الروحي للدولة

في قلب هذه العقيدة السيادية، تتبوأ مؤسسة إمارة المؤمنين موقع الصدارة باعتبارها الضامن الأعلى للأمن الروحي وحامي وحدة المرجعية الدينية للأمة. فهذه المؤسسة لا تختزل في بعدها الرمزي أو الفقهي، بل تشكل آلية وقاية استراتيجية تستمد مشروعيتها من البيعة الشرعية والامتداد التاريخي للدولة العلوية، بما يوحد الوجدان الديني للمغاربة حول ثوابت جامعة تعلو على التجاذبات الإيديولوجية العابرة.

من خلال هندسة الفضاء الديني وضبط إيقاعه، تقطع إمارة المؤمنين الطريق أمام كل محاولات الاختراق الوافدة التي تسعى إلى زرع تصورات دخيلة عن البيئة المغربية الأصيلة، وتكرس نموذجاً إسلامياً وطنياً يزاوج بذكاء بين التشبث بالأصول والانفتاح الواعي على مقتضيات العصر.

الامتداد الدولي للأمن الروحي المغربي

تحت القيادة المتبصرة لـ الملك محمد السادس، تجاوز هذا الدور بعده الوطني ليكتسي طابعاً عابراً للحدود، جاعلاً من المملكة قوة ناعمة ذات إشعاع روحي دولي. فقد أضحى المغرب مرجعية موثوقة في مجال تأطير الحقل الديني ونشر قيم الاعتدال، خصوصاً في إفريقيا وأوروبا، في سياق عالمي يشهد فراغاً فكرياً تستثمره التيارات المتطرفة.

وتجسد هذا الامتداد في مبادرات استراتيجية كبرى، من قبيل معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات، ومؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، اللتين تحولتا إلى منصتين لتصدير النموذج المغربي في تحصين التدين وربط الأمن الروحي بالاستقرار السياسي والاجتماعي.

هندسة أمنية متعددة المستويات

على المستوى العملياتي، يقوم النموذج المغربي على تكامل محكم بين الاستخبارات الخارجية، والأمن الداخلي، والأجهزة القضائية المتخصصة. فالمديرية العامة للدراسات والمستندات تضطلع بدور استباقي في رصد المخاطر الجيوسياسية العابرة للحدود، بينما تتولى المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني تحييد التهديدات الداخلية في مهدها الفكري والتنظيمي.

ويتعزز هذا البناء بالدور المحوري للدرك الملكي، باعتباره قوة سيادية ضاربة تجمع بين الطبيعة العسكرية والوظيفة الأمنية، وتؤمن السيطرة الفعلية على المجالات القروية والحدودية والحساسة. كما تشكل المديرية العامة للأمن الوطني، بما راكمته من احترافية وتحديث تكنولوجي، صمام أمان الأمن العام ومكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب.

أما المكتب المركزي للأبحاث القضائية، فيجسد الذراع القضائية لهذه المنظومة، ضامناً ترجمة النجاعة الاستخباراتية إلى مساطر قانونية تحترم دولة الحق والقانون وقرينة البراءة.

السيادة الرقمية ومواجهة الإرهاب السيبراني

ومع التحولات المتسارعة نحو الإرهاب الرقمي والذئاب المنفردة، انتقلت المقاربة المغربية إلى مستوى متقدم من توظيف الذكاء الاصطناعي وخوارزميات الرصد الاستباقي، لتحليل المحتويات المتطرفة في الفضاء الرقمي وتفكيك خطاب الكراهية قبل تحوله إلى فعل إجرامي.

ولا يقتصر هذا الجهد على الجانب الدفاعي، بل يشمل بناء خطاب رقمي بديل، يستهدف تفكيك السرديات المتطرفة بلغة العصر وأدواته، في إطار ما يمكن تسميته بـ السيادة المعلوماتية للدولة.

اعتراف دولي ومكانة قيادية

إن الثقة الدولية في هذا النموذج تجسدت بوضوح في اختيار المغرب لاستضافة الدورة الثالثة والتسعين للجمعية العامة لمنظمة الإنتربول بمراكش، وفي اضطلاعه بأدوار قيادية داخل المنتديات الدولية لمكافحة الإرهاب. وهو اعتراف لا يكرس فقط نجاعة المقاربة الأمنية، بل يؤكد مصداقية الدولة المغربية كشريك استراتيجي في صياغة الأمن الجماعي.

الأمن والتنمية: معادلة الاستدامة

وإدراكاً لكون الفقر والتهميش يشكلان التربة الخصبة للتطرف، ربط المغرب بين الأمن والتنمية عبر مشاريع مهيكلة داخل الوطن وامتداداتها في العمق الإفريقي، محولاً الجغرافيا من عبء أمني إلى رافعة للاستقرار المشترك. فالأمن، في الرؤية المغربية، لا ينفصل عن التنمية ولا يستقيم بدون عدالة اجتماعية وأفق اقتصادي.

إن النموذج المغربي للأمن الشامل ليس نتاج ظرفية عابرة، بل ثمرة رؤية سيادية بعيدة المدى، نجحت في تحقيق توازن دقيق بين الصرامة الأمنية، والتحصين الروحي، واحترام الحقوق، والانفتاح الدولي. وبهذا، يقدم المغرب تجربة فريدة تؤكد أن الأمن الحقيقي لا يُبنى بالقوة وحدها، بل بالحكمة، والشرعية، واستثمار الإنسان باعتباره شريكاً في صناعة الاستقرار.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com