محور الرباط – أديس أبابا: التقارب الجيوسياسي المغربي-الإثيوبي كرافعة للأمن والتنمية في أفريقيا
بوشعيب البازي
يشكّل التقارب الجيوسياسي بين المغرب و**إثيوبيا** أحد أبرز تعبيرات الديناميكية الأفريقية الجديدة التي تقودها الدبلوماسية المغربية، في انسجام تام مع الرؤية الملكية القائمة على التعاون والتضامن جنوب-جنوب وفق مبدأ “رابح – رابح”. ولا ينفصل هذا التوجّه عن أولوية المصالح العليا للشعب المغربي ومحددات الأمن القومي للمملكة، بقدر ما يندرج ضمن تصور استراتيجي أشمل يسعى إلى إعادة صياغة أدوار أفريقيا في النظام الدولي انطلاقاً من منطق السيادة والشراكة المتكافئة.
يندرج محور الرباط – أديس أبابا ضمن تصور تنموي أفريقي ممتد من شرق القارة إلى غربها، مروراً بالصحراء الكبرى ومنطقة الساحل، وهي مجالات جيوسياسية تعيش تحت ضغط تهديدات متزايدة تمسّ الأمن البشري، من قبيل تنامي الجريمة العابرة للحدود، وتصاعد الإرهاب والتطرف العنيف، وانتشار النزعات الانفصالية، فضلاً عن التداعيات المتسارعة للتغير المناخي. في هذا السياق، يكتسي التقارب المغربي-الإثيوبي بعداً استباقياً يهدف إلى سدّ فراغات الاستقرار والتنمية عبر تكامل اقتصادي وأمني يراعي خصوصيات هذه الفضاءات الهشّة.
وتتغذّى متانة هذا المحور من المكانة الجيوسياسية للدولتين داخل القارة؛ فالمغرب يُعد فاعلاً محورياً في شمال وغرب أفريقيا والساحل، بينما تمثّل إثيوبيا ثقلاً استراتيجياً في شرق القارة والقرن الأفريقي، بما يحمله هذا الإقليم من تشابك حاد للمصالح الدولية والإقليمية. ومن هذا المنطلق، يسعى صانع القرار في الرباط وأديس أبابا إلى تفكيك شبكة التحالفات والمنافسات المعقّدة في هذه المناطق، بحذر استراتيجي يوازن بين تعزيز التعاون الثنائي وتفادي الانزلاق في صراعات المحاور.
وقد شكّلت الزيارة الملكية التاريخية التي قام بها الملك محمد السادس إلى أديس أبابا في نوفمبر 2016 نقطة تحوّل حاسمة في هذا المسار، إذ وضعت أسس مرحلة جديدة من العلاقات القائمة على الوضوح الاستراتيجي والتعاون البنيوي. فمنذ تلك اللحظة، انتقلت إثيوبيا من وضعية الجمود الدبلوماسي إلى شريك استراتيجي فاعل في شرق القارة، ضمن رؤية مغربية تتجاوز منطق المحاور التقليدية إلى بناء تحالفات صلبة قادرة على مواجهة تحديات الألفية الثالثة.
يرتكز المسار الأول لهذا التقارب على “الترابط العضوي” في مجالي الأمن الغذائي والطاقة، حيث برزت منصة ديرة داوا الصناعية نموذجاً لهذا التحول النوعي. وتقود هذه الدينامية شراكة استراتيجية مع المكتب الشريف للفوسفات باستثمار يناهز 3.7 مليار دولار، تروم تحويل إثيوبيا إلى قطب إقليمي لصناعة الأسمدة. ولا تقتصر أهمية هذا المشروع على تحقيق الاكتفاء الذاتي الإثيوبي وتوفير العملة الصعبة، بل تمتد إلى رفع الإنتاجية الزراعية وضمان الأمن الغذائي لملايين السكان في القرن الأفريقي، في انسجام مع تطلعات أجندة أفريقيا 2063.
أما المسار الثاني، فيتعلق بالتموضع الدبلوماسي الهادئ وتوازن المسارح، حيث تقدّم المملكة نفسها كقوة توازن تعتمد الحياد الإيجابي داخل الفضاءات الجيوسياسية المعقّدة. ويكتسي هذا التموقع أهمية خاصة في أديس أبابا، باعتبارها عاصمة القرار القاري ومقر الاتحاد الأفريقي، ما يتيح للمغرب التأثير من داخل المؤسسات القارية، وتعزيز القناعات بأهمية الحلول السياسية الوحدوية، وفي مقدمتها مقترح الحكم الذاتي كآلية استقرار إقليمي.
ويُستكمل هذا البناء الاستراتيجي بمسار ثالث يرتكز على القوة الناعمة والأمن الروحي والثقافي، حيث يستثمر المغرب رصيده الحضاري ومؤسسة إمارة المؤمنين لترسيخ نموذج ديني وسطي معتدل. ويتجسّد ذلك في برامج تكوين الأئمة، وتوسيع المنح الدراسية، ودعم العمل العلمي والأكاديمي، بما يسهم في تحصين المجتمعات الأفريقية من التطرف، وبناء نخب قادرة على قيادة التحول التنموي بروح أفريقية أصيلة.
كما يحتل التكامل اللوجستي والربط القاري موقعاً محورياً في هذا التقارب، من خلال السعي إلى ربط الواجهة الأطلسية للمغرب بالعمق الإثيوبي الحبيس، ونقل الخبرة المغربية في إدارة الموانئ والممرات التجارية. ويعزّز هذا التوجّه فرص فك العزلة الجغرافية، وتنويع مسارات التجارة، وتأمين سلاسل التوريد، بما يخدم هدف الاستقلال الاستراتيجي للقارة.
ويبرز التعاون العسكري والأمني كمسار خامس وحاسم لحماية المكتسبات التنموية، عبر تقاسم الخبرات في مكافحة الإرهاب وأمن الحدود والأمن السيبراني، في مواجهة القوس غير المستقر الممتد من البحر الأحمر إلى المحيط الأطلسي. ويأتي هذا التنسيق في إطار عقيدة مغربية واضحة لا تستهدف أي طرف، بل تسعى إلى مأسسة الحلول الأفريقية للمشاكل الأفريقية، وتحويل محور الرباط – أديس أبابا إلى صمام أمان إقليمي.
إن استقراء مسار العلاقات المغربية-الإثيوبية، بما يحمله من ذاكرة تاريخية شملت فترات تقارب وقطيعة، يكشف أن الزخم الحالي ليس ظرفياً، بل هو نتاج رؤية استراتيجية بعيدة المدى. فقد نجحت الدبلوماسية المغربية، منذ 2016، في تجاوز رواسب الماضي وبناء شراكة سيادية متكاملة، تحوّل البعد الجغرافي بين أقصى غرب القارة وأقصى شرقها إلى فضاء للتكامل والاعتماد المتبادل.
وعليه، فإن محور المغرب – إثيوبيا يمثّل اليوم نموذجاً أفريقياً صاعداً لدبلوماسية المشاريع والأمن الشامل، ويؤكد أن أفريقيا باتت قادرة على صياغة سيادتها الغذائية والأمنية والروحية بإرادتها الذاتية. وهو ما يجعل هذا التقارب منارة لميلاد “أفريقيا الجديدة”: أفريقيا الواثقة بمواردها، القوية بمؤسساتها، والموحّدة في رؤيتها لمستقبل قاري يسوده السلام والتنمية المستدامة.