العملية الوطنية “رمضان 1447”: التضامن المؤسسي كخيار استراتيجي في النموذج الاجتماعي المغربي

بوشعيب البازي

بإطلاقه العملية الوطنية “رمضان 1447” من حي الانبعاث بمدينة سلا، مرفوقاً بولي العهد الأمير مولاي الحسن، جدّد الملك محمد السادس التأكيد على مركزية البعد الاجتماعي في المشروع التنموي للمملكة. ويجسّد هذا الحدث رؤية ملكية تجعل من التضامن خياراً استراتيجياً دائماً، يتجاوز منطق التدخل الظرفي المرتبط بالمناسبات الدينية نحو بناء سياسة اجتماعية مستدامة ومؤسساتية.

لقد تحولت هذه العملية، التي أضحت تقليداً سنوياً راسخاً منذ أكثر من ربع قرن، إلى عنوان لنهج اجتماعي متكامل يزاوج بين البعد الإنساني ومتطلبات الحكامة الجيدة. فهي لم تعد مجرد مبادرة إحسانية موسمية، بل آلية تدخل اجتماعي مهيكلة، تنسجم مع التحولات العميقة التي يعرفها تصور الدولة لدورها الاجتماعي.

وتُنظم هذه المبادرة من طرف مؤسسة محمد الخامس للتضامن، التي اضطلعت منذ تأسيسها بدور محوري في تنزيل التوجيهات الملكية ذات الطابع الاجتماعي. وقد راكمت المؤسسة تجربة نوعية في استهداف الفئات الهشة، عبر برامج تهدف إلى إدماجها في دينامية التنمية وتعزيز قدرتها على الصمود في مواجهة التقلبات الاقتصادية والاجتماعية.

في نسختها الثامنة والعشرين، تشمل عملية “رمضان 1447” أزيد من 4 ملايين و362 ألف مستفيد، أي ما يعادل نحو مليون أسرة عبر مختلف جهات المملكة، بميزانية تناهز 305 ملايين درهم، وتعبئة تفوق 34 ألفاً و550 طناً من المواد الغذائية الأساسية. وتعكس هذه المعطيات حجماً غير مسبوق من التعبئة المالية واللوجستية، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن فلسفة تدخل اجتماعي تتجاوز منطق الإعانة إلى منطق الاستدامة.

ومنذ انطلاق العملية سنة 1998، عرف عدد الأسر المستفيدة تطوراً تصاعدياً لافتاً، إذ ارتفع من 34 ألف أسرة إلى مليون أسرة ابتداءً من سنة 2023، فيما تجاوز مجموع الاعتمادات المالية المعبأة 2.5 مليار درهم. ويؤشر هذا التطور إلى تحول نوعي في تصور الدولة للعمل الاجتماعي، حيث بات يشكل ركناً أساسياً ضمن منظومة الحماية الاجتماعية، لا مجرد سياسة موازية أو ظرفية.

وفي جوهرها، تعكس “رمضان 1447” انتقالاً واضحاً من المقاربة الإحسانية التقليدية إلى رؤية مؤسساتية مستدامة، تقوم على التخطيط القائم على المعطيات الدقيقة، وآليات استهداف محكمة، وشراكات متعددة المستويات. ويتجلى هذا التحول بوضوح في اعتماد السجل الاجتماعي الموحد للسنة الثانية على التوالي لتحديد المستفيدين، وفق مؤشرات سوسيو-اقتصادية مضبوطة تضمن الشفافية والإنصاف في توجيه الدعم.

ويُعد السجل الاجتماعي الموحد إحدى الأدوات المحورية في تحديث السياسات الاجتماعية بالمغرب، إذ يتيح بناء قاعدة بيانات وطنية دقيقة حول أوضاع الأسر، بما يسهم في ترشيد النفقات العمومية، والحد من الهدر والازدواجية، وتعزيز الحكامة الجيدة. ويعكس اعتماده في عملية “رمضان” وعياً مؤسساتياً بضرورة الانتقال من منطق اللوائح التقليدية إلى نظم معلوماتية حديثة، في انسجام مع مشروع إرساء أسس دولة اجتماعية حديثة.

وتستهدف العملية أساساً الأسر التي تعيش وضعية هشاشة، خصوصاً الأرامل والمسنين وذوي الاحتياجات الخاصة. وتشير المعطيات إلى أن 74 في المئة من الأسر المستفيدة تقطن في الوسط القروي، ما يبرز توجهاً واضحاً نحو تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية. ويعكس هذا التركيز فهماً استراتيجياً لطبيعة الهشاشة في المغرب، التي غالباً ما تتخذ بعداً مجالياً واضحاً، خاصة في المناطق القروية التي تواجه تحديات بنيوية متعددة.

ولا يقتصر أثر هذه المقاربة على الاستجابة لحاجات اجتماعية آنية، بل يسهم في تعزيز الاستقرار الاجتماعي وترسيخ شعور الانتماء والثقة في المؤسسات. فبتوجيه نسبة معتبرة من الموارد إلى العالم القروي، تُسهم العملية في إعادة التوازن إلى خريطة الاستفادة من الدعم العمومي، وتكريس مبدأ الإنصاف الترابي كأحد مرتكزات العدالة الاجتماعية.

وتقوم العملية على تعبئة وطنية واسعة تشمل قطاعات حكومية ومؤسسات عمومية متعددة، في مقدمتها وزارة الداخلية، والمديرية العامة للجماعات الترابية، ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، فضلاً عن دعم لوجستي تشارك فيه القوات المسلحة الملكية والدرك الملكي، إلى جانب انخراط آلاف المتطوعين عبر مختلف جهات المملكة. ويضفي هذا الانخراط الجماعي بعداً مجتمعياً على المبادرة، يعزز قيم التآزر والتضامن.

ويضمن هذا التنسيق المؤسسي الواسع إيصال المساعدات إلى 1304 جماعات ترابية، تحت إشراف لجان إقليمية ومحلية تسهر على تتبع مختلف مراحل التنفيذ وضبط عمليات التوزيع. ويعكس هذا التنظيم الدقيق حرصاً واضحاً على الشفافية وحسن التدبير، بما يعزز مصداقية المبادرة ويكرّس أثرها الاجتماعي.

أما في ما يخص جودة المواد الغذائية الموزعة، فتخضع لمراقبة صارمة من طرف المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية ووزارة الصحة والحماية الاجتماعية، بما يضمن احترام المعايير الصحية المعتمدة. ويؤكد هذا الجانب أن البعد الإنساني للمبادرة لا يقتصر على توفير الغذاء، بل يشمل أيضاً ضمان جودته وصلاحيته، حفاظاً على كرامة المستفيدين وسلامتهم.

ورغم الارتباط الزمني للعملية بشهر رمضان، فإن دلالتها تتجاوز الطابع المناسباتي، لتندرج ضمن مسار اجتماعي ممتد يروم ترسيخ ثقافة التضامن المؤطر والمؤسساتي. فالتضامن، في هذا السياق، ليس مجرد قيمة أخلاقية أو ممارسة خيرية، بل خيار استراتيجي ضمن مشروع مجتمعي يسعى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية وتعزيز التماسك الوطني.

وفي ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يعرفها المغرب، تبرز أهمية مثل هذه المبادرات في صون الاستقرار الاجتماعي ومواجهة مظاهر الهشاشة. فالعمل الإنساني، حين يُدرج ضمن رؤية تنموية شاملة، يتحول إلى رافعة لتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات، وإلى عنصر داعم لمسار التنمية البشرية المستدامة.

وعليه، فإن عملية “رمضان 1447” تمثل أكثر من مبادرة سنوية؛ إنها تجسيد عملي لنهج ملكي ثابت يضع الكرامة الإنسانية في صلب السياسات العمومية، ويجعل من العدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي والتماسك الوطني مرتكزات أساسية لبناء مغرب أكثر توازناً واستقراراً، في إطار مشروع تنموي طويل الأمد يضع الإنسان في قلب أولوياته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com