السياسة في المغرب.. من التدبير إلى التهريج

بوشعيب البازي

يبدو أن المشهد السياسي المغربي قد دخل مرحلة جديدة، لا يحكمها المنطق ولا يخضعها الضمير، بل تحركها لغة السب والشتم، وتُزينها خطابات شعبوية لا تقل فوضوية عن مباريات كرة القدم في الأحياء الشعبية. والفاعل الأبرز في هذا العرض الهزلي المتكرر ليس سوى عبد الإله بنكيران، زعيم “البيجيدي” الأسبق، والناطق الرسمي باسم الحنين إلى الماضي البائس.

بنكيران، الذي خرج من باب الحكومة منذ سنوات، لا يزال يحاول العودة من نافذة الصراخ والعويل، وهو اليوم غاضب – بل غاضب جدًا – لأن جهة “عليا” لم تتواصل معه كما يعتقد أنه يستحق. وكأن شرف الحديث معه واجب وطني، أو ربما واجب شرعي.

الغريب في الأمر أن السيد بنكيران، الذي لا يخفي امتعاضه من “الإقصاء”، قد نسي – أو تناسى – أنه نُودي عليه ذات يوم لقيادة حكومة ما بعد الربيع العربي، وأنه أضاع الفرصة حينما فضّل مهادنة المؤسسات القوية على حساب مشروعه الانتخابي، ثم عاد لاحقًا ليبيع الوهم لجمهور فقد الثقة فيه قبل أن يغادر حتى كرسيه.

من “الإصلاح في ظل الاستقرار” إلى “الاستقطاب في ظل السب”

البيجيدي، وقد تآكل رصيده الشعبي، وجد نفسه أمام أزمة وجودية: لا مشروع حقيقي، لا تنظيم متماسك، ولا قاعدة ناخبة مخلصة. فما العمل؟ الجواب بسيط لدى بنكيران، لنشتم، لنصرخ، ولنلوح بنظريات المؤامرة!

وهكذا، تحوّل خطاب الحزب إلى وسيلة لاستقطاب جزء من قواعد جماعة العدل والإحسان، عبر لغة مزدوجة: ظاهرها الغضب من السياسات العمومية، وباطنها رسائل مشفّرة موجهة إلى المؤسسة الملكية ومحيطها، على طريقة “أقول ولا أقول”. وفي الوقت الذي تخوض فيه الأحزاب السياسية قضايا محلية تهم الصحة والتعليم والبطالة، يفضل البيجيدي الاحتماء بالقضايا الخارجية مثل إيران وفلسطين وحزب الله، في محاولة يائسة لإعادة ربط الاتصال بجمهور إسلامي فقد ثقته بالعمل المؤسساتي منذ زمن.

لكن بنكيران يدرك جيدًا أن هذا الجمهور، رغم حنينه للخطاب الإسلامي، لم يعد يثق في القيادات الحزبية التي جربها، خصوصًا بعد تجربة عشر سنوات في الحكم كانت أشبه بكذبة محبوكة تم بيعها في سياق “ربيعي” استثنائي.

أحلام الزعامة ومعاش الدولة

من المفارقات التي لا تغيب عن ساخر حاد البصيرة، أن بنكيران، الذي لا يتوقف عن انتقاد “الفساد” و”الريع”، هو نفسه المستفيد من معاش استثنائي سخي، وامتيازات أخرى لا يحظى بها حتى بعض الوزراء الحاليين. الرجل الذي يذرف الدموع على فقراء الأمة، لا يجد غضاضة في قبض تقاعده الفاخر بينما يدعو الآخرين إلى الزهد.

فأين المبدأ؟ أين “الإسلام هو الحل”؟ أم أن المال الحلال يُستثنى إذا كان من خزينة الدولة؟

سلبيات العدالة والتنمية.. سقطات لا تُغتفر

حزب العدالة والتنمية، الذي قدّم نفسه لسنوات كـ”الاستثناء المغربي”، أثبت في النهاية أنه لا يختلف كثيرًا عن باقي الكائنات الحزبية، إن لم يكن أسوأها في بعض الممارسات:

  • ازدواجية الخطاب: بين ما يُقال في الجوامع وما يُمارس في البرلمان.

  • الشخصنة: حيث تحوّل الحزب إلى “زاوية بنكيرانية” لا تتسع إلا لصوته وظله.

  • تفكيك الطبقة الوسطى: عبر قرارات اقتصادية أثرت على القدرة الشرائية للمواطن.

  • تصفية مكتسبات التوظيف العمومي: والسكوت على ملفات الفساد بحجة “الاستقرار”.

الحسن الثاني والمسلمون.. دروس من الماضي

ولمن نسي التاريخ، فليعد قليلاً إلى زمن الملك الراحل الحسن الثاني، الذي لم يكن يخفي تحفظه عن إدخال الإسلاميين في قلب اللعبة السياسية. كان يدرك أن اللعب بالدين خطير، وأن الرهان على من يخلط بين السياسة والعقيدة قد يؤدي إلى انفجار في أي لحظة. ولعل التجربة الحالية أعادت إثبات هذه القاعدة.

السياسة اليوم في المغرب، خصوصًا تلك التي يمثلها “البيجيدي”، لم تعد مبنية على البرامج أو الرؤى، بل تحوّلت إلى منبر للشتائم وتصفية الحسابات. وبين زعيم غاضب من تجاهله، وحزب مفلس يحلم بإعادة بناء قاعدته على أنقاض الجماعات الإسلامية، يبقى المواطن المغربي الحلقة الأضعف… والأذكى.

فقد جربهم. وخبر وعودهم. واليوم، ربما قرر أن يقول: كفى تهريجًا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com