بروكسيل تستعيد ذاكرة المغرب: ندوة أكاديمية تُعيد رواية التاريخ من 1907 إلى استرجاع الصحراء المغربية

بوشعيب البازي

عرفت بروكسيل، يوم السبت 29 نونبر 2025، تنظيم ندوة فكرية حاشدة حول ملف الصحراء المغربية تحت عنوان: “مشروع الحكم الذاتي… 50 سنة من التدبير إلى التغيير”، وذلك بمبادرة من جمعية La Marjolaine de l’Espoir بشراكة مع مبادرات ركائز الدولة الاجتماعية ونادي الطلبة المغاربة ببلجيكا، وتعاونية Morocco by Racha، وفرع جمعية ADES.

اللقاء جذب عدداً مهماً من أفراد الجالية المغربية، وأكاديميين، وفاعلين مدنيين، إلى جانب نخبة من المثقفين المقيمين في بلجيكا، ضمن حضور اتسم بنقاش رصين ورغبة واضحة في فهم المسار التاريخي للقضية الوطنية.

في قلب هذا الحدث، كان المحور البارز هو المداخلة التاريخية للسيد الصديق معنينو، أحد أبرز الوجوه الإعلامية المغربية، الذي قدّم سرداً زمنياً شاملاً لتاريخ المغرب الممتد من سنة 1907 إلى مرحلة استرجاع الأقاليم الجنوبية سنة 1975، مستعرضاً الأحداث والمواقف التي شكّلت الوعي الوطني ومسار التحرر وبناء الدولة الحديثة.

1907… الشرارة الأولى لدخول المغرب مرحلة الاحتلال

استعاد الصديق معنينو في مداخلته اللحظة المفصلية لسنة 1907، حين بدأت فرنسا أولى عمليات التوغل العسكري في التراب المغربي بعد أحداث الدار البيضاء ووجدة.

كانت البلاد حينها تعيش حالة انقسام سياسي بين السلطان مولاي عبد العزيز وأخيه مولاي حفيظ، في وقت تكاثفت فيه الأطماع الاستعمارية على المغرب الذي كان يعاني من ضغط الديون وتشتت القرار.

المتدخل ذكّر بأن هذه الظروف هي التي سهّلت توقيع معاهدة الحماية سنة 1912، بعد سلسلة من الاضطرابات الداخلية وتدخلات القوى الاستعمارية، ما وضع المغرب تحت وصاية ثنائية: فرنسا في الوسط والجنوب، وإسبانيا في الشمال والصحراء.

مقاومة متعددة الجبهات… من الشيخ ماء العينين إلى الأمير عبد الكريم الخطابي

استعرض السيد معنينو صفحات المقاومة المغربية ضد الاحتلال، مؤكداً أن المغرب لم يخضع دون مقاومة، سواء في الشمال بقيادة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، أو في الجنوب بقيادة الشيخ ماء العينين ونجله أحمد الهيبة.

كما توقف عند المعارك التي خاضتها القبائل الصحراوية منذ 1884 ضد التوسع الإسباني، مبرِزاً أن الوعي الوطني في الصحراء كان جزءاً من الوحدة الدينية والسياسية للمغرب، وهو ما يفسّر استمرار البيعات الشرعية للملوك العلويين من طرف القبائل الصحراوية.

1930… الظهير البربري ولحظة ميلاد الحركة الوطنية

شكلت سنة 1930 منعطفاً تاريخياً، إذ تحول الظهير المسمّى بـ”البربري” إلى شرارة دفعت المغاربة إلى تنظيم صفوفهم في مواجهة سياسة التفريق الاستعماري.

وأشار السيد معنينو إلى أن تلك المرحلة شهدت بروز خطاب وطني موحد وولادة أولى الخلايا الحزبية والصحفية المناهضة للاستعمار، قبل أن تتبلور المطالب بشكل أكثر وضوحاً سنة 1944 مع وثيقة المطالبة بالاستقلال.

كما تطرق إلى التحالف الذي تشكل بين الملك محمد الخامس والحركة الوطنية، والذي انتهى بإقدام سلطات الحماية على نفي الملك سنة 1953، وهو القرار الذي فجّر المقاومة المسلحة وانتفاضات شعبية غير مسبوقة.

من المنفى إلى الاستقلال… الملكية تقود معركة التحرر

قدّم الصديق معنينو قراءة معمقة لمرحلة النفي والعودة، مركزاً على الخطاب السياسي للملك محمد الخامس ودوره في ترسيخ مشروع الدولة الوطنية الحديثة بعد 1956.

وأوضح أن هذا المسار لم يكن مجرد تحرر سياسي، بل تحولاً بنيوياً في بناء المؤسسات، وتثبيت الوحدة الوطنية، ومواجهة مخلفات التقسيم الاستعماري.

الصحراء المغربية… استرجاع الوحدة الترابية ومسار التحكيم الدولي

في القسم الأهم من عرضه، تناول السيد معنينو المسار التاريخي لاسترجاع الصحراء المغربية، مبرزاً أن القضية ليست حدثاً طارئاً، بل امتداد طبيعي للوحدة التاريخية للبلاد.

وتوقف عند:

  • زيارة الملك محمد الخامس لمحاميد الغزلان سنة 1958 حيث أكد أمام القبائل أن الصحراء جزء من المغرب.
  • رأي محكمة العدل الدولية سنة 1975 الذي اعترف بوجود روابط تاريخية وبيعية بين القبائل الصحراوية والعرش العلوي.
  • عبقرية المسيرة الخضراء التي اعتبرها “إحدى أعظم صور النضال السلمي في القرن العشرين”، والتي شارك فيها 350 ألف مغربي أعلنوا أمام العالم تشبث الأمة المغربية بوحدتها.

وأكد أن الأساس التاريخي والشرعي والدولي للقضية المغربية هو ما يفسر اليوم دعم عدد كبير من الدول لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الحل الواقعي والدائم.

بالطبع، سأضيف لك فقرة موسَّعة ومترابطة تُدمج تفسير معنينو للأحداث قبل وبعد 31 أكتوبر 2025، والقرار الأممي، وخطاب الملك محمد السادس، مع الإضاءة على حنكته في العودة القوية إلى إفريقيا.

سأكتبها بصيغة تحليلية مهنية، كما تصلح للنشر في الصحف الكبرى، وبأسلوب متماسك ينسجم مع مقالاتك السابقة:

قراءة معنينو لمسار الأحداث قبل وبعد 31 أكتوبر 2025

يقدّم معنينو، في تفسيره لمسار الأحداث، فهماً دقيقاً للتحوّلات التي سبقت 31 أكتوبر 2025، وهو التاريخ الذي أصبح علامة فارقة في مسار قضية الصحراء. فقبل هذا التاريخ، كانت الرباط منهمكة في هندسة دبلوماسية هادئة ولكن مُحكمة، تقوم على استباق القرار الأممي من خلال تقوية التحالفات التقليدية، وتحصين مكتسبات السنوات الأخيرة، وتوسيع دائرة الدول الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي.

ويرى معنينو أن المغرب، خلال هذه المرحلة، لم يركّز فقط على إقناع المجتمع الدولي بعدالة قضيته، بل عمل على تغيير قواعد اللعبة عبر ربط ملف الصحراء باستقرار المنطقة وسياقات الأمن الطاقي والغذائي في إفريقيا، مما حوّل المبادرة المغربية من مقترح سياسي إلى حلٍّ براغماتي مدعوم بالوقائع الجيوسياسية.

بعد 31 أكتوبر 2025، يتحدث معنينو عن دخول الملف مرحلة جديدة: مرحلة ما بعد شرعنة الحكم الذاتي دولياً. القرار الأممي حينها لم يكتفِ بإعادة التأكيد على وجاهة الطرح المغربي، بل وضع سابقة دبلوماسية حين أشار للمرة الأولى إلى ضرورة “حلٍّ واقعي قابل للتطبيق ومبني على التوافق”، وهي صياغة تُقرأ، وفق تحليل معنينو، كإقصاء غير مباشر لخيار الانفصال وإغلاق باب المزايدات الإيديولوجية التي راهنت عليها أطراف إقليمية لعقود.

خطاب الملك محمد السادس: تثبيت المكتسبات وفتح الأفق

ويعتبر معنينو أن خطاب الملك محمد السادس مباشرة بعد القرار الأممي مثّل لحظة مفصلية. فالخطاب لم يكن احتفالياً بقدر ما كان خريطة طريق استراتيجية تُعيد ترتيب أولويات المرحلة المقبلة:

  • الانتقال من دبلوماسية الإقناع إلى دبلوماسية تثبيت الإنجازات.
  • المضي نحو تحويل الأقاليم الجنوبية إلى محور اقتصادي إفريقي–أوروبي.
  • تعزيز التحالفات جنوب–جنوب، وخاصة مع الدول التي غيّرت مواقفها لصالح المغرب.

ويشير معنينو إلى أن الخطاب حمل أيضاً رسائل مشفرة، بعضها موجّه إلى خصوم المغرب الإقليميين الذين فقدوا القدرة على التأثير في مسار الأمم المتحدة، وبعضها موجّه للشركاء الدوليين الذين ينتظرون من الرباط لعب دور أكبر في تأمين طرق الطاقة والمعادن الحيوية داخل القارة.

حنكة الملك في العودة إلى إفريقيا: الجذور الأولى للانتصار الدبلوماسي

ولا يمكن، في تحليل معنينو، فهم ما جرى بعد 31 أكتوبر 2025 دون العودة إلى اللحظة التي قرّر فيها الملك محمد السادس العودة إلى الاتحاد الإفريقي. فهذه الخطوة التي بدت للبعض مجرّد مناورة دبلوماسية، تحوّلت لاحقاً إلى رافعة استراتيجية قلبت موازين القوة.

فالعودة لم تكن مجرد استرجاع مقعد، بل كانت اقتحاماً ناعماً للقارة عبر الاستثمارات الزراعية، والتعاون الأمني، واتفاقيات الطاقة المتجددة، ثم الدبلوماسية الروحية التي تجمع المغرب بغالبية إفريقيا الغربية.

وبفضل هذا التراكم، تمكّن المغرب من كسب دعم دول كانت في السابق رهينة الدعاية الجزائرية، فتحولت إلى حلفاء، ثم إلى أصوات حاسمة داخل قاعات التصويت الأممية.

ويخلص معنينو إلى أن القرار الأممي وخطاب الملك ليسا حدثين منفصلين عن هذا المسار الطويل، بل هما تتويج لعودة محسوبة إلى إفريقيا، مهّدت لمرحلة جديدة لم تعد فيها الصحراء موضوع نزاع، بل نقطة ارتكاز في مشروع مغربي–إفريقي واسع الآفاق.

تفاعل الحضور… الجالية المغربية في قلب النقاش الوطني

الحضور المتنوع من الجالية المغربية شكّل قيمة مضافة للنقاش، إذ عبّر عدد من المشاركين عن حاجتهم إلى مثل هذه اللقاءات التي تدمج المعرفة التاريخية بالتحليل السياسي.

وقد ساهمت المداخلات الأكاديمية للدكتور لخمار المرابط، والدكتورة فدوى ددون، إلى جانب كلمات سعاد ندّاد ورشا البكوري ويوسف التسولي وعبد الأحد الدحماني، في تقديم رؤى مكملة حول أدوار الجالية في الدفاع عن القضايا الوطنية داخل أوروبا.

 ندوة بروكسيل لم تُعد فقط سرد التاريخ… بل أعادت وصل الذاكرة الوطنية

مكنت الندوة من إعادة قراءة تاريخ المغرب بطريقة منهجية، قائمة على التحليل وربط الأحداث ببعضها، من سنة 1907 مروراً بالاستعمار والمقاومة والاستقلال، وصولاً إلى الحدث المفصلي سنة 1975.

وقد مثّلت مداخلة السيد الصديق معنينو لحظة استثنائية في إعادة سرد الذاكرة الوطنية، بأسلوب توثيقي دقيق وقريب من الجيل الجديد من أبناء الجالية.

بهذه الندوة، يكون صوت المغرب قد ارتفع مجدداً من قلب بروكسيل، مؤكداً أن القضية الوطنية ليست مجرد ملف سياسي، بل مسار تاريخي ممتد في الذاكرة والشرعية والوجدان المغربي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com