إهانة بروتوكولية أم انحراف دبلوماسي؟ حين يختلط الحزب بالوطن داخل سفارة المغرب في بلجيكا
بقلم: بوشعيب البازي
شهد الحفل الرسمي الذي نظمته سفارة المملكة المغربية في بلجيكا بمناسبة الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء، واقعة أثارت استغراب الحضور وامتعاض الأوساط الدبلوماسية والجالية المغربية على حد سواء. فبدل أن يكون هذا الحدث مناسبة وطنية جامعة لتجديد روح الانتماء والوفاء، تحوّل إلى مشهد مرتبك في بروتوكوله، حيث تمّ تهميش القناصلة المغاربة العاملين في الميدان الدبلوماسي، وإحلال بعض رؤساء الجمعيات والوجوه المجهولة محلّهم في الصفوف الأمامية.
مشهد بدا غريباً في أعين كثيرين، إذ كيف يُعقل أن يُقدَّم أشخاص لم يسهموا في العمل الوطني أو في خدمة الجالية على دبلوماسيين يمثلون الدولة المغربية ويعملون ليل نهار من أجل تسهيل حياة المغاربة المقيمين بالخارج؟ أليس في ذلك إهانة رمزية لهيئة القنصليات التي تمثل العمود الفقري للتمثيل الدبلوماسي المغربي في أوروبا؟
الحادثة، وإن بدت بروتوكولية في ظاهرها، تكشف خللاً أعمق في إدارة بعض البعثات الدبلوماسية التي تضع الانتماء الحزبي فوق الانتماء الوطني. فالسفير الحالي للمملكة ببلجيكا، محمد عامر، المنتمي سياسياً إلى حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، أصرّ على إبراز وجوه قريبة من محيطه الحزبي أو من بعض الجمعيات التي لا يُعرف لها أثر فعلي في خدمة قضايا الوطن أو الجالية، من بينها ما يُسمّى بـ”جمعية أصدقاء المغرب”، التي لم تقدّم، حسب فاعلين جمعويين، أي مبادرات ملموسة للدفاع عن القضية الوطنية أو للتقريب بين أبناء الجالية.
هذا السلوك أعاد إلى الواجهة النقاش القديم الجديد حول ضرورة فصل العمل الدبلوماسي عن الولاءات الحزبية، وإسناد المناصب الحساسة في السفارات إلى كفاءات مهنية تنتمي إلى المدرسة الدبلوماسية المغربية، أي تلك التي تخرجت وتدرّبت في وزارة الشؤون الخارجية، وتحمل ولاءً مؤسسياً للدولة لا للحزب.
فالتجربة أثبتت أن السفراء المنتمين للأحزاب، مهما كانت نواياهم، غالباً ما يجعلون من السفارة امتداداً لمكتب سياسي مصغّر، ويمنحون الأولوية لمن يخدم أجنداتهم لا من يخدم صورة المغرب في الخارج.
لقد نادت أصوات عديدة منذ سنوات بضرورة إنهاء هذه “الازدواجية الدبلوماسية”، لأن السفير المتحزّب — بخلاف الدبلوماسي المهني — يرى في المنصب فرصة لترسيخ حضور حزبه في الجالية أكثر مما يراه تكليفاً بتمثيل الوطن. والنتيجة واضحة: ارتباك في البروتوكول، ضعف في الأداء، وتراجع في ثقة المغاربة المقيمين بالخارج في ممثلي بلدهم.
إن ما حدث في بروكسيل ليس مجرد تفصيل بسيط في ترتيب المقاعد، بل هو رمز لاختلال عميق في فهم مفهوم “التمثيل الدبلوماسي”. فحين يُهمَّش القنصل العام، ممثل الدولة الرسمي، ويُقدَّم مكانه رئيس جمعية لا يحمل أي صفة رسمية سوى قربه من السفير أو من الحزب، فإن الرسالة التي تصل للجالية هي أن الولاء لا يُكافأ، وأن الكفاءة تُزاح أمام العلاقات الشخصية.
لقد آن الأوان لإعادة النظر في كيفية اختيار السفراء، بعيداً عن منطق الترضيات السياسية، لأن الدبلوماسية ليست غنيمة حزبية، بل هي واجهة الدولة وهيبتها. والمغرب الذي يخوض معارك سيادية ودبلوماسية حاسمة في العالم، يحتاج إلى ممثلين يجسدون روح الدولة لا مصالح التنظيم.