عندما يتحوّل الوزير إلى مرشد سياحي… لكن في الاتجاه المعاكس
بقلم : بوشعيب البازي
يبدو أن بعض المسؤولين، حين يقفون أمام الميكروفون، يعتقدون أن خفة الظل تعفيهم من ثقل المسؤولية. آخر هذه “الاجتهادات اللفظية” ما صدر عن رياض مزور، وزير الصناعة والتجارة، حين اختار أن يتهكم—وبنبرة فكاهية أقرب إلى المزاح الثقيل—على الجالية المغربية التي تستثمر في بلدها، مطالبًا إياها، بقدرة قادر، بالمكوث في بلدان الإقامة. وكأننا أمام موظف استقبال يلوّح بابتسامة عريضة وهو يُغلق الباب في وجه الضيوف!
أيّ فكاهة هذه التي تُقال أمام مسؤولين مغاربة، وتطال فئة تُعدّ من أعمدة الاقتصاد الوطني؟ وأيّ “خفة دم” تلك التي تُلامس حدود الاستخفاف بجاليةٍ لم تنتظر يومًا دعوة رسمية لتثبت وطنيتها؟ الجالية المغربية، التي تحوّل الشوق إلى استثمار، والحنين إلى مشاريع، والعمل في الغربة إلى تحويلات ودعم ومبادرات، ليست مادة للنكتة، ولا موضوعًا للتندر العابر.
الأغرب في المشهد ليس المزحة في حد ذاتها، بل السياق: مسؤول حكومي، في موقع يفترض فيه التحفيز والتشجيع، يبعث برسالة ملتبسة—إن لم نقل معاكسة—لمغاربة العالم. رسالة تقول لهم: “ابقوا حيث أنتم”، بينما الوقائع والأرقام تؤكد أن حضورهم الاقتصادي، ومساهماتهم، وشبكاتهم، تشكّل قيمة مضافة لا تُقدّر بثمن. فهل نحن أمام ارتباك في البوصلة أم زلة لسان تحوّلت إلى سياسة كلامية؟
للتذكير فقط، الجالية المغربية خط أحمر. ليس شعارًا للاستهلاك الإعلامي، بل قناعة راسخة تُترجمها أعلى سلطة في البلاد. الملك محمد السادس يكنّ لمغاربة العالم كل الود والاحترام، ويُثمّن مجهوداتهم في بلدان الإقامة، ويعتبرهم رافعة دبلوماسية واقتصادية وثقافية للمغرب. هذا موقف دولة، لا نكتة عابرة. رؤية استراتيجية، لا تعليقًا مرتجلًا.
ثم، دعونا نكون صرحاء: الجالية لا تنتظر من وزير—أيًّا كان—أن “يرحّب” بها. هي رحّبت بالمغرب قبل أن يُرحّب بها أحد؛ استثمرت عندما تردّد غيرها؛ ودافعت عن صورة الوطن في ساحات العمل والجامعة والسياسة والإعلام. من حقها، على الأقل، خطاب مسؤول يليق بتضحياتها، لا “قفشة” تُضحك القاعة وتُحرج الدولة.
الفكاهة في السياسة سلاح ذو حدّين. قد تُقرّب المسؤول من الناس، وقد تكشف—في لحظة غير محسوبة—فراغًا في الحسّ العام. وبين ضحكةٍ عابرة وسمعة وطن، الفرق كبير. والمطلوب ليس تجريم المزاح، بل استحضار مقام المسؤولية. فحين يتعلّق الأمر بمغاربة العالم، المزاح يصبح امتحانًا… وبعض الامتحانات لا تحتمل الإجابات الخاطئة.
من أراد أن يُضحك، فليتأكد أولًا أنه لا يُقصي. ومن أراد أن يقود، فليتذكر أن الجالية ليست جمهورًا في مسرح، بل شريكًا في الوطن.