**السفير الذي رفض التقاعد… أم أن التقاعد هو الذي رفضه؟

بوشعيب البازي

حكاية سبعينية دبلوماسية تطلب الرحمة من كثرة البروتوكول.

يخرج السفير محمد عامر، عميد السفراء المغاربة في الخارج، ليهمس لنا – أو لعلها صرخة رجل أثقله البروتوكول – قائلاً:

“أرجوكم… أحيلوني على التقاعد. لقد بلغت السبعين، والديبلوماسية لم تعد لعبة شطرنج بل ماراثون يومي وأنا لم أعد أستطيع الجري.”

بعد تسع سنوات من جلوسه على كرسي سفارة المغرب ببلجيكا، يبدو الرجل وكأنه أصبح جزءاً من أثاث بناية السفارة، ثابتاً في مكانه مهما تغيّرت الحكومات وتعاقب الوزراء وسقطت التحالفات الأوروبية وتبدّلت خرائط العالم.

سبعون سنة… ولا يزال “شاباً” في وزارة الخارجية

فبينما تتقاعد غالبية السفراء حول العالم ما بين 60 و65 سنة، يثبت السفير محمد عامر أن للتقاعد مفهوماً آخر في المغرب…مفهوم أقرب إلى “الدورة الفلكية” منه إلى الدورة المهنية. فالتقاعد يأتي عندما يقترب السفير من سن الشيخوخة. أما في المغرب، فالشيخوخة هي التي تقترب من السفير… وتفشل في اللحاق به.

فالرجل اليوم أكبر دبلوماسي ممارس سنّاً في الخارجية المغربية، ومع ذلك يبدو أن أحداً لا يريد الضغط على زر “إنهاء المهمة”. هل لأن المغرب خالٍ من الكفاءات؟

هل انتهت لائحة السياسيين المحنكين؟

هل نفدت النخبة المثقفة من البلد؟

أم أن المنصب أصبح أشبه بتلك المسلسلات التي لا تنتهي في انتظار “حلقة أخيرة” لا تصل أبداً؟

“أرسلوني معزَّزاً… قبل أن أُرسل مهانا ”

سخرية سوداء؟ نعم.

لكنها أيضاً رسالة رجل يعرف أنه قدم ما يكفي، وأنه لم يعد قادراً على مجاراة كرة الثلج السياسية في أوروبا، ولا على متابعة مستجدات الاتحاد الأوروبي التي تتغير أسرع من درجات الحرارة في بروكسيل.

من يضغط زرّ “الإعفاء الكريم”؟

الوزارة، من جهتها، تبدو غير مستعجلة.

وكأن تغيير السفراء أصبح من تلك القرارات التي تحتاج “توقيته الفلكي الخاص”، لا توقيت الدولة.

المفارقة أن المغرب اليوم يتوفر على عشرات الأسماء القادرة على تمثيله بجدارة، دبلوماسيون شباب، مثقفون…

لكن المقعد في بروكسيل ظل وكأنه عقار غير قابل للتفويت.

السفير يطلب الرحمة… فهل تسمع الرباط؟

محمد عامر ليس مشكلة…

المشكلة هي ذهنية التمسّك بالمناصب حتى آخر نفس، وكأن الوطن سينهار لو حاول أحدهم أخذ قسط مستحق من الراحة.

ولذلك، في رسالته المتخيلة، يلخص السفير الوضع بكلمة واحدة: “ارحموني… فقد شبعت خدمة.” أما السؤال الذي يبقى معلقاً:

هل ستسمح الرباط لأقدم سفرائها بأن ينهي مشواره واقفاً… قبل أن ينهكه الوقوف نفسه؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com