محمد عامر… تسع سنوات من الدبلوماسية الاحتفالية: حين تتحول سفارة المغرب في بروكسيل إلى “مكتب تنظيم المناسبات الفاخرة”
يقال إن بعض السفراء يصنعون العلاقات الثنائية، وبعضهم يصنع السياسات… أما السفير محمد عامر فقد اختار طريقاً ثالثاً، صناعة الحفلات.
تسع سنوات كاملة في بروكسيل، لم يترك وراءه اتفاقاً بارزاً، ولا مبادرة استراتيجية، ولا مشروعاً ملموساً للجالية، لكنّه ترك شيئاً آخر: قاعات فاخرة مكتظة، موسيقى راقية، وطاقماً دبلوماسياً يتحرك بخفة محترفي تنظيم الحفلات.
ومع ذلك، يبقى السؤال الأكبر: من أين يأتي التمويل إذا كانت الجمعية بلا موارد؟ ومن يمنح التعليمات؟ ولماذا تُدار الدبلوماسية كأنها برنامج ترفيهي موسمي؟

“جمعية أصدقاء المغرب”… الصندوق الغامض الذي يطل كلما ظهرت حفلة
الجمعية التي قُدمت للجالية كمبادرة لتعزيز الصداقة بين المغرب وبلجيكا تبدو، عملياً، امتداداً غير معلن للسفارة. والمثير أن حسابها المالي — وحسب تصريحات من داخل الجالية — “غير نشط”، “ضعيف”، أو “فارغ”. ومع ذلك، تُنظَّم حفلات في قاعات خمس نجوم وفي فنادق يُشمّ من ردهاتها العطر قبل أن ترى الاستقبال.
الغموض المالي ليس تفصيلاً.
فعندما تكون الميزانية “غير معروفة”، لكن مستوى البذخ “معروف جداً”، يكون السؤال مشروعاً، ما مصدر الأموال؟ ومن يقرر صرفها؟ حفلات فاخرة… وخمور تُوزَّع بعناية دبلوماسية . الآن نصل إلى المشهد الأكثر تناقضاً:
في كل مناسبة من مناسبات الجمعية، يظهر طاقم السفارة بكامل أناقته، ليس فقط لإلقاء كلمات رسمية، بل ، كما يؤكد حضوريون ، للمساعدة في تقديم المشروبات بما فيها الخمور.
مشهد غريب لسفارة تمثل دولة تعلن تشبثها بالقيم الأخلاقية والدينية، لكنها تتحول في تلك الأمسيات إلى ما يشبه “باراً دبلوماسياً” من الفئة الراقية.
والأغرب من ذلك؟
التعليمات الصحفية.
فقد أصبح شبه معروف وسط الإعلاميين المغاربة في بلجيكا أن هناك توجيهاً واضحاً:
- صوّروا الضيوف،
- صوّروا المنصة،
- صوّروا الكلمة الافتتاحية،
- لكن تجنبوا تصوير قنينات الخمر تحت أي ظرف.
طاقم أخبارنا الحالية يؤكدون أن السفير بنفسه يعطي تعليماته للصحفيين بعدم تصوير قنينات الخمر و موظفي السفارة يراقبون بدقة ليتأكدوا من “نظافة” الصور من الخمر.
إنه نوع جديد من “الرقابة البصرية”… حيث يُسمح بالصورة الاحتفالية ويُمنع المشهد الحقيقي. منطق الدبلوماسية الجديدة، لا مشاريع… لكن حفلات بلا نهاية ، عوض بناء شبكة علاقات مؤسساتية، أو دعم مبادرات الجالية، أو خلق مشاريع تعليمية وثقافية مستدامة،

اختارت السفارة أن تصرف وقتها وطاقتها ، وربما شيئاً آخر، على إعطاء الانطباع بأن السفارة “نشِطة”.
نشاط على الطريقة السطحية:
- صور،
- ورد،
- موسيقى،
- كأس هنا،
- وتوجيه إعلامي هناك،
بينما الملفات الجدية تتراكم في الرفوف مثل كتب مكتبة قديمة لا يجرؤ أحد على فتحها.
الغموض المالي: سؤال أكبر من السفير… وأكبر من الجمعية
كيف تحصل جمعية بلجيكية على دعم من المغرب؟ وكم تبلغ الميزانية المخصصة لها؟ وأين تُعلن الحسابات؟ ومن يراقبها؟ ولماذا لا يصدر أي تقرير سنوي؟

وكيف تُموّل حفلات بمستوى يفوق بكثير موارد جمعية غير ربحية؟
وهل يملك السفير “خزاناً مالياً موازياً” يُصرف من خلاله على هذه الأنشطة؟ لا أحد يملك جواباً.
والصمت الرسمي يترك المجال لكل الفرضيات — وللسخرية أيضاً. وفي ظل غياب الشفافية، يصبح السؤال نفسه معبّراً أكثر من الإجابة.
عامر وبوريطة… شريكان في الغموض أم ضحيتان لنظام إداري معتم؟
لا شيء يؤكد أن وزير الخارجية ناصر بوريطة يراقب فعلاً ما يجري في بروكسيل. لكن المؤكد أن النظام الإداري المغربي يسمح بشفافية محدودة جداً في ما يخص النفقات التمثيلية والدعم الخارجي.

وهذه المساحات الرمادية هي التي تجعل “جمعية أصدقاء المغرب” تبدو كأنها تعمل في منطقة خارج الضوء وخارج المساءلة.
إنها مشكلة بنيوية، لا شخصية.
لكن الشخص الذي يجلس على الكرسي هو الذي يتحمل صورتها، ولا أحد جلس أطول من محمد عامر.
ويبقى السؤال الأكبر هو كيفية تمويل هذه الحفلات، في وقت تؤكد فيه المعطيات أن الحساب البنكي للجمعية المعنية فارغ تماماً. هذا التناقض دفعنا إلى التواصل مع عدد من الممونين الذين أشرفوا على تنظيم بعض تلك السهرات، فكان جوابهم واضحاً، السفارة هي التي تتكفل بتسديد الفواتير. الأمر الذي يضع علامات استفهام عديدة حول دوافع هذا الدعم المالي غير المعلن، وطبيعة العلاقة التي تربط الطرفين، وكيف يتم تمرير هذه المصاريف خارج الإطار القانوني المعتاد.
الجالية لا تريد حفلات… بل دبلوماسية تحترم عقلها ومال وطنها
الدبلوماسية ليست توزيعاً للكوكتيلات، ولا حفلات بشموع مضاءة وخطب شرفية، ولا صوراً تُقصّ منها قنينات الخمور قبل نشرها. الدبلوماسية هي خدمة للمواطن، للدولة، ولمصالحها. والجالية المغربية في بلجيكا تستحق شيئاً أكبر بكثير من “الأضواء الفارغة”. تستحق سفارة تقدم برامج، لا بوفيهات. شفافية، لا صمتاً.ومبادرات، لا مناسبات. والأهم، تستحق أن تُصرف أموال المغاربة على ما ينفعهم… لا على ما يلمّع واجهات مؤقتة.