في زمن المزايدات الرقمية ، خرج يونس مجاهد، رئيس اللجنة المؤقتة لتسيير شؤون الصحافة والنشر، ليضع “نقطة نظام” في جدل تحوّل فجأة إلى مأساة وطنية، وكأنه صراع بين جبهتين داخل غرفة الأخبار، بينما هو في الحقيقة — كما يظهر — خلافٌ قانوني تقليدي تم تضخيمه كما يُضخَّم عنوان جاذب في آخر لحظة قبل الطبع.
مجاهد ظهر في فيديو رسمي، ليس دفاعاً عن “المجلس” بقدر ما هو ردّ على “الضجيج”، مؤكداً أن ما تم الترويج له بخصوص “استهداف الصحافي حميد المهداوي” لا أساس له من الصحة، وأن كل ما سمعه الرأي العام لا يعدو كونه — حسب تعبيره غير المباشر — قنابل صوتية تثير الدخان أكثر مما تضيء الحقيقة.
البقالي يتحدث عن مؤامرة… ومجاهد يطالب بالدليل
أصل القضية بدأ مع تصريحات منسوبة للزميل عبد الله البقالي، تحدث فيها عن “استهداف” للمهداوي. غير أن مجاهد ردّ بطريقة يمكن وصفها بأنها “أكاديمية بنبرة ساخرة”، إذ ذكّر بأن الاتهامات الخطيرة تحتاج إلى أدلة… لا إلى انفعالات أو مقاطع مسربة:
“الادعاء بالاستهداف يستوجب قرائن واضحة، لا خطابات مرتجلة”، يقول مجاهد.
بمعنى آخر، من يرى مؤامرة فليأتِ بأدلتها… أو فليغيّر النظارات.
ثلاث شكايات فقط… والباقي مبالغة درامية
في ما يشبه الرد على سردية “الاستهداف”، قدّم مجاهد قائمة قصيرة ومملة — بخلاف ما يتوقعه المدافعون عن نظرية المؤامرة — تضم ثلاث شكايات فقط تخص المهداوي:
- الشكاية الأولى من أجير سابق، وانتهت لصالح المهداوي.
- الشكاية الثانية أخلاقية، نوقشت بحضور دفاعه… وانتهت هي الأخرى لصالحه.
- شكاية ثالثة ليست أكثر أهمية من سابقتيها.
ومقارنة بسيطة قدمها مجاهد، مؤسسات إعلامية أخرى تتلقى خمس أو ست شكايات في السنة دون أن تخرج للعلن معلنة “اضطهادها التاريخي”. الرسالة واضحة: الاستهداف مثل البرد… يشعر به البعض أكثر من الآخرين.
اجتماع لجنة الأخلاقيات: تأويل لفظي يتحوّل إلى ملحمة رقمية
أما التوتر الذي حدث داخل اجتماع لجنة الأخلاقيات، فقد وصفه مجاهد بأنه “خلاف قانوني صرف” حول تأويل عبارة “محام أو زميل”. لكن الفضائح — كما نعلم — تحب البساطة، كلمة تُفسَّر بطريقة، فتتحول إلى موضوع محتدم على الفايسبوك.
وبصراحة غير معتادة، قال مجاهد إن الضغط والهجمات المتواصلة أدت إلى انفعالات وعبارات غير لائقة… وقد تم تقديم اعتذار رسمي بشأنها. وهذه سابقة، اعتذار في عالم الإعلام؟ معجزة صغيرة.
سحب بطاقة الصحافة… من العقوبات الروتينية لا الطوارئ
بخصوص القرار الذي اعتبره البعض “استهدافاً”، أوضح مجاهد أن سحب بطاقة الصحافة لمدة سنة للمهداوي يدخل ضمن المسار التأديبي العادي، مذكراً بأن هذه الولاية وحدها شهدت 230 قراراً تأديبياً، بينها عشرات العقوبات المشابهة.
بل إن المشروع الأول كان يتضمن حرماناً من الدعم، لكن اللجنة — بنبرة “رحمة مؤسساتية” — اختارت التراجع والاكتفاء بسحب البطاقة.
جلسة الطعن التي لم تُعقد… لأنها انتظرت أصحابها بلا جدوى
واحدة من النقط التي أثارت السخرية بين المتابعين: لجنة الطعن جلست تنتظر المهداوي ومحاميه لثلاثين دقيقة كاملة… دون ظهور. وبما أن اللجان ليست قطارات تتأخر، فقد تم إغلاق الجلسة لعدم اكتمال النصاب.
اللافت أن البعض اعتبر ذلك “دليلاً على الاستهداف”. يبدو أن انتظار 30 دقيقة أصبح مؤامرة بدوره.
بطاقة الصحافة… والاعتراف الذي وضع النقاش في حجمه
القضية الأكثر لفتاً في توضيحات مجاهد هي تأكيده أن الإشكال حول بطاقة الصحافة “مهني محض”: المهداوي صرح بأن دخله الأساس يأتي من “اليوتيوب”، وهو ما لا يسمح قانوناً بالحصول على البطاقة المهنية.
مفارقة مضحكة، البقالي نفسه كان قد دافع سابقاً داخل الجمعية العمومية عن تطبيق هذا المعيار بدقة… على الجميع دون استثناء.
بل إن القضاء الإداري — درجة أولى واستئنافاً — صادق على القرار، مما يجعل الطعن في شرعيته أقرب إلى نقاش فلسفي منه إلى نزاع قانوني.
المؤامرة تحتاج حبكة أقوى
أنهى مجاهد توضيحاته برسالة ساخرة في عمقها وإن كانت رسمية في ظاهرها:
الحديث عن مؤامرة أمر سهل… أما إثباتها فهو شيء آخر تماماً.
المجلس — حسب قوله — يشتغل في إطار القانون، ولجانه مستقلة، والملفات تُعالَج بالوثائق لا باللايفات، وبالمحاضر لا بالانطباعات.
وإن كان لدى البقالي “معطى جدي واحد” فالمجال مفتوح، إما أن يعرضه على المجلس… أو يذهب به إلى القضاء.
بين رواية “الاستهداف”، وتوضيحات “لا شيء هنا سوى القانون”، يبقى المؤكد أن المشهد الإعلامي المغربي أصبح يشبه مسلسلاً طويل الحلقات: كل يوم جدل جديد… وكل حلقة تنتهي دائماً بنفس العبارة:
“يتبع…