أوروبا التي تُغلق أبوابها: حين تتحول الهجرة إلى مرآة خوف جماعي

بقلم بوشعيب البازي

بروكسل – لا شيء يكشف ملامح القارة العجوز أكثر من الطريقة التي تتعامل بها مع المهاجرين. أوروبا، تلك التي بنت سرديتها على قيم الإنسانية والكرامة وحقوق الإنسان، تجد نفسها اليوم تُقنّن الخوف وتشرعن الهواجس، وتستجيب لمنطق انتخابي ضيق بدل الانتصار للإنسان.

لقد صادق الاتحاد الأوروبي مؤخرًا على أكثر حزمة صرامة في سياسة الهجرة منذ سنوات طويلة، وكأن أوروبا تحاول أن تصنع لنفسها “قلعة” جديدة… قلعة من القوانين بدل الأسوار.

وأنا أتابع هذه القرارات من بروكسل، كان السؤال الذي يطرق ذهني بإلحاح: هل تحمي أوروبا نفسها… أم تهرب من نفسها؟

مراكز العودة… أوروبا التي تريد التخلص من عبء ضميرها

أول ما يثير الانتباه هو ذلك القرار المتعلق بإنشاء مراكز العودة خارج حدود الاتحاد الأوروبي.

بصراحة، لم أفهم يومًا كيف يمكن لقارةٍ تتغنى بحقوق الإنسان أن تبحث عن “حل خارجي” لمشكل داخلي. إنها وصفة قديمة يرتديها الاتحاد الأوروبي بوجه جديد: لنتخلّص من المهاجرين بعيدًا عن أعيننا، ولندّعِ أننا ندير الأزمة.

المفوض الأوروبي ماغنوس برونر، حين قال إن “المواطنين يشعرون أننا نسيطر على الوضع”، نسي أن الوضع الحقيقي ليس على الحدود… بل في الضمير.

حين يصبح التشدد زينة سياسية

ليس سرًا أن اليمين واليمين المتطرف يحرّكان اليوم بوصلة القرار الأوروبي. أوروبا التي كانت ترفض مجرد النقاش في هذه الإجراءات قبل سنوات، باتت تتبنّاها اليوم بسرعة غير مسبوقة.

وفي بروكسل، يمكن أن ترى كيف تتردد صدى الحملات الانتخابية في أروقة المؤسسات الأوروبية. الدنمارك — التي تقود الرئاسة الدورية — تقدّم نفسها كمهندس لهذا التحول: تشدد بلا هوادة، وقوانين بلا تردد.

لكن السؤال الحقيقي: هل التشدد سياسة… أم تذكِرة انتخابية؟

فرنسا وإسبانيا… أصواتٌ داخل الجوقة لكنها ليست على الإيقاع نفسه

ما يعجبني في أوروبا، حتى في لحظات التوتر، هو تعدد الأصوات.

فرنسا تطرح أسئلة قانونية، وإسبانيا تشكّك في فعالية مراكز العودة متذكرة التجارب التي أحرجت الحكومات أكثر مما حلّت المشكلات.

وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا قالها بوضوح: “الضغوط كبيرة، والموقف يصبح أصعب يومًا بعد يوم.”

هذه الجملة وحدها تكفي لفهم ما يجري: أوروبا لا تُشرّع بروح موحدة، بل تحت ضغط خوف مشترك.

20 ألف يورو… ثمن رفض طالب لجوء

من بين القرارات التي أثارت انتباهي فرض غرامة 20 ألف يورو على الدول التي ترفض استقبال حصّتها من طالبي اللجوء.

بمعنى آخر: من لم يستقبل البشر… فليدفع مقابلهم.

هل أصبح اللجوء رقمًا ماليًا؟ هل تُقدّر قيمة الإنسان الآن بميزانية دولة؟

هذا التحول وحده كافٍ ليُظهر إلى أي حد فقدت أوروبا بوصلتها الأخلاقية في هذا الملف.

القارة التي تخاف من المستقبل

في النهاية، لا شيء يفسّر هذا التشدد سوى شيء واحد: الخوف.

خوف من المجهول، من التغيير الديمغرافي، من الأزمات الاقتصادية، من صعود اليمين، من صدمات سياسية لم تُعالج منذ أزمة 2015.

خوف جعل القارة التي طالما تغنت بإنسانيتها تتحول إلى سلطة رقابية تحصي الداخلين وتبحث عن الخارجين. لكن الحقيقة التي يخشاها الجميع في بروكسل هي: الهجرة ليست أزمة وافدة… بل نتيجة لأزمات صنعها العالم الذي تقوده أوروبا نفسها.

أوروبا بين صورتها وواقعها

يمكن للاتحاد الأوروبي أن يضع ما يشاء من التشريعات، وأن ينسج ما يشاء من الآليات والقوانين. لكن لن يستطيع أن يهرب من سؤال سيواجهه عاجلًا أم آجلًا:

كيف يمكن لقارة بُنيت على قيم كونية أن تستمر حين تصبح أول من يتخلى عنها؟ تشديد سياسة الهجرة ليس انتصارًا للسياسة…بل اعتراف ضمني بأن أوروبا تعيش أزمة هوية. وككل أزمة هوية، ستحتاج القارة إلى أكثر من “مراكز عودة” و”غرامات مالية” لتجد نفسها من جديد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com