رأس سنة على الطريقة التبونية: حين تتحول الخطابات إلى مصانع… وتصبح المدن دولاً
بوشعيب البازي
مع اقتراب عقارب الساعة من نهاية عام مثقل بالغلاء والندرة وانسداد الأفق، اختار الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أن يقدّم لشعبه هدية غير قابلة للاسترجاع: خطاباً مطولاً أمام البرلمان، محمّلاً بإنجازات لا وجود لها إلا في النشرات الخيالية. ففي بلد يبحث مواطنوه عن السكر في الصيدليات، قرر رئيسهم أن يحدّثهم عن احتكار عالمي لصناعة الأنسولين.
في مساء الثلاثاء 30 دجنبر، لم يكن الخطاب الرئاسي مجرد تقييم لحصيلة سنة، بل أقرب إلى عرض تسويقي لدولة افتراضية، جزائر لا تشبه تلك التي يعرفها الجزائريون في طوابير الحليب والزيت، بل تلك التي تنافس – بل تتفوق – على الدول الصناعية الكبرى في أكثر القطاعات تعقيداً وحساسية.
الجزائر… عضو جديد في نادي «الخمس الكبار»
بثقة لا تشوبها الأرقام، أعلن تبون أن الجزائر أصبحت من بين خمس دول فقط في العالم قادرة على إنتاج أدوية «معقدة»، بل وذهب أبعد من ذلك حين لمح إلى أن بلاده تكاد تكون الاستثناء الوحيد الذي يجمع بين تصنيع الأنسولين وأجهزة الكشف عن السكري.
لم يقدّم الرئيس أسماء هذه الدول الخمس، ولم يوضح معايير هذا التصنيف الغامض، لكنه بدا مطمئناً إلى أن التصفيق البرلماني كفيل بسد أي ثغرة علمية. في هذه اللحظة تحديداً، لم يعد الخطاب سياسياً بقدر ما أصبح تجربة أدبية في إعادة تعريف الواقع.
الاكتشاف الجغرافي: «دولة قسنطينة»
لكن ذروة العرض لم تكن في الأرقام، بل في الجغرافيا. ففي زلة ستدخل، على الأرجح، أرشيف النوادر السياسية، تحدث الرئيس عن الدول المنتجة للأنسولين، وذكر بينها «دولة قسنطينة». لم يصحح أحد. لم يعترض أحد. صفق الجميع.
هكذا، وفي أقل من ثانية، انتقلت قسنطينة من مدينة عريقة إلى كيان سيادي، في برلمان يبدو أنه اعتاد ترقية الأخطاء إلى حقائق، طالما أنها تصدر من أعلى الهرم. في «الجزائر الجديدة»، لا تُرسم الخرائط في الأطالس، بل في الخطب.
صناعة الخطاب بدل خطاب الصناعة
بعيداً عن الطرافة، تكشف هذه الواقعة عن مشكلة أعمق: خلط مقصود بين التعبئة الصناعية والتصنيع الحقيقي. فالجزائر، كما هو معلوم، تخطو خطوات محدودة في مجال تركيب أو تعبئة بعض المنتجات الصيدلانية اعتماداً على مواد أولية مستوردة، وهو مسار مشروع وموجود في عشرات الدول النامية. لكن تحويل ذلك إلى «احتكار عالمي» ليس إنجازاً، بل قفزة لغوية فوق العلم والاقتصاد معاً.
شركات عالمية في أوروبا، الولايات المتحدة، آسيا، وحتى في محيط الجزائر الإقليمي، تنتج الأنسولين وأجهزة القياس منذ عقود، ضمن سلاسل بحث وتطوير معقدة. تجاهل هذا الواقع لا يلغيه، لكنه يضع الخطاب الرسمي في مواجهة مباشرة مع أبسط معارف طلاب الطب والصيدلة.
حين يصبح عمر الحاكم مؤشراً للتنمية
ولأن العرض لا يكتمل دون لمسة إنسانية، استحضر تبون متوسط العمر في الجزائر، معتبراً ارتفاعه دليلاً على الرفاه. ثم، في حركة مسرحية محسوبة، قدّم نفسه – وهو على مشارف الثمانين – دليلاً حياً على نجاح السياسات الصحية.
المفارقة أن الجزائريين لا يحتاجون إلى شروحات لفهم سر «طول العمر» في بلدهم؛ فهم يشاهدون منذ عقود طبقة سياسية وعسكرية تشيخ في السلطة ولا تتقاعد منها، لتتحول مؤشرات الحياة من معطيات صحية تخص المواطن، إلى امتيازات مرتبطة بموقعه من الحكم.
سخرية شعبية… وإحراج دولي
لم تمر هذه التصريحات دون صدى. فقد تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مساحة تفريغ جماعي للسخرية، لا بدافع التهكم فقط، بل بسبب الإحراج العلني الذي يشعر به كثير من الجزائريين وهم يشاهدون رئيسهم يعلن إنجازات يسهل دحضها بجملة بحث على الإنترنت.
المسألة لم تعد، بالنسبة لكثيرين، خلافاً حول تقييم السياسات، بل أزمة مصداقية خطاب، حين يصبح الفرق شاسعاً بين ما يُقال تحت قبة البرلمان وما يُعاش في الشارع.
ما الذي تبقى من «الجزائر الجديدة»؟
تكشف هذه الواقعة، مرة أخرى، ملامح نموذج حكم يراهن على صناعة السردية بدل صناعة الوقائع: جزائر تتغير فيها الحقائق بالخطابات، وتُختصر فيها التنمية في جُمل رنانة، بينما يظل الواقع الاقتصادي والاجتماعي عصياً على التجميل.
في نهاية المطاف، لم يكن خطاب تبون مجرد زلة لسان أو مبالغة عابرة، بل مرآة لطريقة حكم تعتقد أن تكرار الرواية يصنع الحقيقة. غير أن الشعوب، بخلاف البرلمانات المصطفة، لا تصفق طويلاً… بل تتذكر.