في العرف الدبلوماسي، يُقاس طول البعثات بميزان دقيق: ما تحقق لا ما طال. غير أن الحالة البلجيكية تبدو استثناءً مغربياً خالصاً، حيث نجح السفير محمد عامر، سفير المملكة المغربية ببروكسيل، في تحطيم رقم قياسي غير معلن: أطول إقامة دبلوماسية في دولة واحدة منذ 2016، متجاوزاً أسماء وازنة في السلك الدبلوماسي المغربي، من قبيل السفيرة كنزة الغالي بتشيلي، والدبلوماسي المخضرم عزيز مكوار… ولكن من دون إنجاز يُذكر يبرّر هذا الامتداد الزمني.
تسع سنوات (وربما أكثر) من الحضور المتواصل في واحدة من أعقد العواصم الأوروبية، حيث تُصنع القرارات وتُدار اللوبيات وتُخاض معارك الصورة والنفوذ. غير أن الحصيلة، حسب متابعين للشأن الدبلوماسي المغربي في بلجيكا، تبدو أقرب إلى إدارة الزمن بدل إدارة الملفات.
دبلوماسية العلاقات… لا النتائج
منذ أن انتقل محمد عامر من موقع وزير مكلف بالجالية إلى سفير، ظل الرهان – كما يقال – على شبكة علاقاته الشخصية أكثر من رهانه على دينامية دبلوماسية متجددة. علاقات، لا يُنكرها أحد، لكنها بقيت العنوان الوحيد تقريباً، في غياب مبادرات نوعية، أو اختراقات سياسية، أو حتى خطاب دبلوماسي يواكب التحولات العميقة في بلجيكا وأوروبا.
بل إن بعض الأصوات داخل الأوساط المتابعة تتحدث – بصيغة التحليل لا الجزم – عن تمديدات غير مفهومة لمهمة كان يفترض أن تنتهي سنة 2019، في سياق تداخل الاعتبارات الشخصية والمؤسساتية، وحيث تُطرح تساؤلات محرجة عن كلفة الإقامة الطويلة، سياسياً ورمزياً.
خطاب قديم في زمن جديد
اللافت أيضاً أن الخطاب المعتمد داخل السفارة لم يعرف تجديداً يُذكر. نفس النبرة، نفس المنهجية، ونفس العبارات التي توحي أحياناً بأننا أمام دبلوماسية خطابية تنافس السياسيين الشعبويين أكثر مما تنافس سفراء الدول المؤثرة. بعض المتابعين يذهبون أبعد، معتبرين أن السقف الخطابي تجاوز حتى ما كان يقدمه عبد الإله بنكيران في أوج حضوره، ولكن دون حمولة سياسية أو أثر مؤسساتي.
“أصدقاء المغرب”… بلا صداقة مؤثرة
أما جمعية “أصدقاء المغرب”، التي أُسست تحت مظلة السفارة، فقد تحولت – بحسب نفس المتابعين – إلى إطار يستهلك الميزانيات أكثر مما ينتج التأثير. أشخاص وُضعوا في الواجهة، أموال تُصرف، ومصادر التمويل تبقى عالقة بين وزارة الخارجية وجهات استشارية عليا، دون أن ينعكس ذلك على الدفاع الفعلي عن المصالح الاستراتيجية للمملكة داخل واحدة من أكثر الساحات الأوروبية حساسية.
إحراج صامت في الرباط
اليوم، لم يعد السؤال في بروكسيل فقط، بل في الرباط أيضاً. فالإقامة الدبلوماسية الطويلة، حين لا تُرفق بحصيلة واضحة، تتحول من عنصر استقرار إلى مصدر إحراج صامت. خاصة في ظل فتور العلاقة مع بعض الفاعلين الإعلاميين والحقوقيين (القناصة)، حيث لم تعد المقاربات القديمة صالحة لإدارة صورة المغرب في الخارج.
الدبلوماسية ليست سباق ماراثون في طول الإقامة، بل سباق نتائج. وتجربة السفير محمد عامر في بلجيكا، مهما طالت، تطرح اليوم سؤالاً مشروعاً:
أليس الوقت قد حان لإنهاء هذه المهمة، وفتح الباب أمام دماء جديدة، بخطاب جديد، وأدوات تناسب مغرب 2026 لا مغرب 2010؟