بروكسيل: دبلوماسية الوجوه نفسها… حين تنتهي المهمة دون أن يتغير العرض

بوشعيب البازي

يبدو أن نهاية المسار الدبلوماسي للسفير محمد عامر في بروكسيل لم تُعلن رسمياً بعد، لكنها كُتبت عملياً منذ زمن، وبخط واحد متكرر، وبحبر البرامج نفسها، والوجوه نفسها، والمواضيع نفسها. مسار طويل لم يكن فقيراً في عدد الأنشطة، لكنه كان شحيحاً في المعنى، هزيلاً في الأثر، ومكلفاً في الفاتورة.

على امتداد سنوات، بدت سفارة المغرب في بلجيكا وكأنها اشتغلت بمنطق “إعادة العرض” أكثر من منطق الفعل الدبلوماسي: نفس الندوات، نفس الصيغ، نفس العناوين الفضفاضة التي تصلح لكل زمان ومكان، دون أي تراكم فكري، أو اختراق حقيقي للنقاش العمومي البلجيكي، أو تفاعل ذكي مع تحولات الجالية المغربية وتعقيداتها.

آخر مثال ليس سوى حلقة إضافية في هذا المسلسل المتعب: مائدة مستديرة حول رأس السنة الأمازيغية، عنوانها جذاب ظاهرياً: «Yennayer ou l’Amazighité en Mouvement»، لكن مضمونها، وأسماء منشطيها، ومكان تنظيمها، كلها عناصر تُعيد طرح السؤال القديم: هل نحن أمام احتفاء بالثقافة الأمازيغية، أم أمام طقس بروتوكولي محفوظ، يُستعمل كديكور دبلوماسي أكثر منه كفعل ثقافي حي؟

الندوة ستحضرها أمينة ابن الشيخ، الصحافية ومديرة جريدة Le Monde Amazigh، وبراهيم المزند، مؤسس Visa for Music وAnya، ومصطفى جلوك، الأنثروبولوجي والخبير في التراث الثقافي المغربي، بينما أوكلت مهمة التسيير إلى الكاتبة فتيحة السعيدي. أسماء معروفة، دون شك، لكن حضورها المتكرر في أنشطة السفارة يثير تساؤلاً مشروعاً: هل يتعلق الأمر باختيار مبني على رؤية ثقافية واضحة، أم بإعادة تدوير دائرة ضيقة من الوجوه المألوفة؟

اللافت ليس حضور أسماء معروفة في حد ذاتها، فذلك مشروع، بل الغياب شبه التام لأي نفس جديد، أو مقاربة مغايرة، أو انفتاح على أصوات أمازيغية من قلب بلجيكا، من باحثين شباب، أو فاعلين ميدانيين، أو جمعيات تشتغل بصمت بعيداً عن الفنادق الفخمة. فالأمازيغية، التي يُفترض أنها “في حركة”، بدت هنا محصورة في قاعة فندق خمس نجوم، وتحت سقف بروتوكولي لا يتحمّل كثيراً من الجرأة.

فتيحة السعيدي، التي سبق أن برز اسمها كعضو سابق في جمعية أصدقاء المغرب التي يسيرها عن بعد السفير محمد عامر، تحضر هنا مجدداً، كما حضرت في مناسبات أخرى، من تقديم حفلات، إلى تنشيط نقاشات، إلى الظهور في واجهات متعددة، في مشهد يوحي بأن التمثيلية الثقافية داخل السفارة باتت محصورة في أسماء بعينها، مهما اختلفت المواضيع أو المناسبات.

أما على مستوى التدبير، فقد ظلّ نمط الصرف هو العنوان الأبرز: فنادق ضخمة في قلب بروكسيل، تكاليف مرتفعة، عائد رمزي محدود، وجمهور غالباً ما يتكوّن من دائرة ضيقة من المقرّبين، أو من وجوه اعتادت الظهور في كل نشاط، مهما كان موضوعه. في هذا السياق، يصبح حضور أسماء بعينها في كل شيء، من الجمعيات إلى التنشيط إلى التقديم، علامة على انغلاق مزمن أكثر منه دليلاً على الكفاءة أو الاستمرارية.

المفارقة أن السفير، وهو يقترب من نهاية مهمته، لم ينجح في كسر هذا القالب، بل ظلّ وفيّاً لأسلوبه: إبراز مجموعة صغيرة من “المصفّقين”، أو أشخاص تربطهم به علاقات شخصية، وتقديمهم كواجهة تمثيلية، في تجاهل واضح لتنوّع الجالية المغربية في بلجيكا، واختلاف حساسياتها، وتعدد انتظاراتها من مؤسسة يُفترض أنها تمثل دولة، لا شبكة علاقات.

هكذا، تنتهي المسيرة كما بدأت: الكثير من الصور، القليل من السياسة الثقافية، غياب الأثر، وحضور قوي لمنطق التسيير الإداري البارد، الذي يخلط بين الدبلوماسية والروتين، وبين التمثيل الرسمي وإدارة الصالون.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه، وبشيء من التساهل الساخر المشروع: لمن هذا الحفل فعلاً؟ هل هو موجّه إلى كل المغاربة المقيمين ببلجيكا باختلاف لغاتهم وحساسياتهم؟ أم إلى المغاربة الأمازيغ فقط باعتبار المناسبة؟ أم، كما جرت العادة، إلى تلك الدائرة الضيقة التي ترافق السفير محمد عامر في كل نشاط، وتتنقل معه من فندق إلى آخر، يتقدّمها هذه المرة فرانسوا ديلبيري، رئيس جمعية أصدقاء المغرب، الذي بات حضوره شبه إلزامي في مشهد دبلوماسي يفترض فيه التنوع لا الانتقائية؟

ثم هناك سؤال بروتوكولي لا يقل إحراجاً: هل سيتوصل قناصل المغرب في بلجيكا بدعوات رسمية لحضور هذا الحدث؟ أم أن الغياب سيظل، كما في مناسبات سابقة، قدراً محتوماً، يكرّس الانطباع بأن العمل القنصلي والدبلوماسي يسيران في خطين متوازيين لا يلتقيان إلا نادراً؟ ففي دبلوماسية السفير، يبدو أن بعض الكراسي تُحجز مسبقاً، بينما تظل كراسٍ أخرى فارغة، لا لشيء سوى لأنها خارج “شلة” الصورة الجماعية.

بهذا المعنى، لا يتحوّل الحفل إلى لحظة جامعة بقدر ما يصبح تمريناً إضافياً على إعادة فرز المدعوين: من هو داخل الدائرة، ومن هو خارجها، ومن يُسمح له بأن يكون “ممثلاً” للجالية، ومن يكتفي بدور المتفرج… إن صادف وسمع بالحدث أصلاً.

ليست المشكلة في الاحتفال بيناير، ولا في الأمازيغية، بل في الطريقة التي جرى بها استهلاكهما، وتحويلهما إلى محتوى جاهز، بلا روح، وبلا مخاطرة فكرية. وهذا، في النهاية، هو العنوان الأصدق لمرحلة كاملة في بروكسيل: دبلوماسية بلا خيال، وبرامج بلا ذاكرة، ونهاية مسار لم تُفاجئ

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com