الراية التي تسبق صاحبها: عن جزائري يرفع علمه ليُثبت أنه موجود

بوشعيب البازي

في المدرجات الأوروبية، حيث تُقاس الانتماءات عادةً بألوان الأندية لا بألوان الدول، يظهر علم الجزائر كضيف لا ينتظر الدعوة. مباراة بين ريال مدريد وبرشلونة؟ العلم حاضر. نزال ملاكمة في لاس فيغاس؟ العلم حاضر. حفل موسيقي لفرقة روك فرنسية لا تعرف من الجزائر سوى اسم البلد؟ لا بأس، العلم حاضر أيضًا. كأن الراية صارت عنصراً من عناصر الديكور الكوني، تُرفع حيث لا حاجة لها، وتُلوَّح حيث لا أحد سأل عنها.

ليست المسألة هنا وطنية بالمعنى الكلاسيكي، ولا هي تعبير عن قضية جامعة أو موقف سياسي واضح. نحن أمام تحوّل دلالي لافت: العلم لم يعد رمزاً لجماعة، بل بطاقة تعريف فردية. لم يعد اختزالاً لدولة، بل اختصاراً لشخص. كأن حامله يقول: «أنا هنا… وإن لم تعرفني، فهذا العلم كفيل بأن يشرحك عليّ».

في الماضي، كان رفع العلم فعلاً استثنائياً: لحظة نصر، جنازة رسمية، أو احتجاج جامع. اليوم صار فعلاً يومياً، أقرب إلى عادة عصبية. الجزائري، وهو يحلّ في مكان جديد، قد ينسى حقيبته، لكنه لا ينسى رايته. ينصبها بجانبه كما تُنصب الخيمة في أرض مجهولة. فالعلم هنا لا يحيل إلى السيادة، بل إلى الوجود. لا يقول «هذه دولتي»، بل يقول «أنا موجود، انتبهوا إليّ».

Screenshot

هذا التضخم البصري ليس بريئاً. هو ابن سياق نفسي واجتماعي معقّد. شعور عميق بكتم الصوت، بانعدام التأثير، وبالعيش على هامش القرار. المواطن الذي لا يُسأل رأيه في الداخل، ولا يشعر بأن صوته مسموع في القضايا الكبرى، يبحث عن أي وسيلة ليقول «أنا». وحين تُغلق الأبواب في الداخل، يتحول الخارج إلى مسرح بديل، والعلم إلى ميكروفون صامت.

في هذا المعنى، التلويح بالراية في غير موضعها ليس دفاعاً عن الجزائر، بقدر ما هو دفاع عن الذات. هو طلب انتباه، لا إعلان موقف. محاولة لأن يصبح مرئياً بعد طول عتمة. ولهذا لا يهم إن كانت المناسبة رياضية أو فنية أو حتى عابرة؛ المهم أن يراه الآخرون. فالمواطن الغربي لا يحتاج إلى رفع علم بلده ليُثبت وجوده، لأن وجوده غير مطعون فيه أصلاً. أما الجزائري، فيلوّح بالعلم وكأنه يلوّح بصوته، يرفعه وينتظر أن يلتفت أحد.

الهجرة المتأخرة… والراية كتعويض

هذه الظاهرة تتكثف بشكل خاص في فرنسا وجنوب أوروبا، حيث تزامنت مع موجة الهجرة الجديدة. مهاجرون يختلفون جذرياً عن أسلافهم. في الأمس، كان الجزائري يأتي بعقد عمل، يشتغل، يدّخر، ثم يعود. اليوم، يأتي بالمغامرة. يصل بلا أوراق، في قارة تعاني أصلاً من أزماتها الاقتصادية والاجتماعية. فلا عمل مستقر، ولا تسوية قانونية سهلة، ولا وعد واضح بمستقبل أفضل.

Screenshot

وحين يفشل المشروع، لا بد من شماعة. وغالباً ما تكون جاهزة: «العنصرية»، «كره العرب»، «الإسلاموفوبيا». ليس لأن هذه الظواهر غير موجودة، بل لأنها تُستخدم أحياناً كاختصار مريح لفشل معقّد. في هذه اللحظة، يتحول الأوروبي من جار محتمل إلى خصم رمزي، ويصبح التلويح بالعلم فعلاً استفزازياً مقصوداً. يظن صاحبه أنه يقلق الآخر، بينما هو في الواقع لا يفعل أكثر من لفت نظر عابر.

المهاجر الجديد يعيش بين عالمين لا يلتقيان. قلبه معلّق بالجزائر، وجسده عالق في شوارع أوروبا. لا هو اندمج كلياً، ولا هو عاد. حالة انفصام صامت. ولأن المنافسة الحقيقية في سوق العمل أو المجتمع صعبة، تُختزل المنافسة في حركة رمزية: علم يُرفع في مناسبة لا تخصه، كأنه يقول: «أنا هنا، رغم أنفكم».

وعلى مواقع التواصل، تتكرر الصورة ذاتها: قنوات يوتيوب وتيك توك لمهاجرين بلا وضعية قانونية مستقرة، يبثون من غرف ضيقة في ضواحي أوروبية، وخلفهم دائماً علم الجزائر. لا وظيفة تُعرض، ولا إنجاز يُروى، ولا مشروع واضح… سوى العلم. صار الراية بديلاً عن السيرة الذاتية، وعن عقد العمل، وعن بطاقة الإقامة. رمزاً يُغطي فراغاً واسعاً.

هكذا، من رمز سيادة إلى أداة تعويض، ومن علم دولة إلى لغة فردية، تتنقل الراية الجزائرية في العالم. ليست المشكلة في العلم ذاته، بل في ما يُحمَّل به. حين يُستخدم ليقول ما عجز صاحبه عن قوله بغيره. وحين يصبح صراخاً بصرياً لمواطن لم يجد بعدُ مكانه، لا في الداخل ولا في الخارج.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com