سافر الجمهور الجزائري إلى المغرب وهو يعتقد أن كأس إفريقيا للأمم مناسبة كروية لا أكثر: 90 دقيقة، هتافات، أعلام، وصور تُنشر على مواقع التواصل لإثبات “الحضور القاري المشرف”. لكن الواقع، كعادته، كان أكثر إبداعاً من كل التوقعات. بعضهم جاء ليشجّع فريقه… فوجد نفسه بعد أيام يشجّع مشروعاً تجارياً متنقلاً: بيع الأقمصة الرياضية في الشارع، بين زقاق وآخر، وعلى إيقاع “آخر قطعة… أصلية”.
المشهد كان سريالياً بامتياز. مشجع يرتدي قميص المنتخب، يلف عنقه بعلم كبير، يهتف للجزائر صباحاً، ويعرض قميص بن ناصر أو محرز مساءً. كرة القدم هنا لم تعد لعبة، بل فرصة رزق طارئة. المدرجات تحوّلت إلى أرصفة، والتشجيع إلى عرض ترويجي، والكان إلى موسم تجاري غير مُعلن.
لكن القصة لا تتوقف عند هذا الحد الطريف. خلف هذه الكوميديا الاجتماعية، تختبئ فوضى تنظيمية وسوء تقدير جماعي. آلاف المشجعين قرروا السفر إلى المغرب دون تذاكر، وكأن حضورهم وحده كافٍ لفتح أبواب الملاعب، أو كأن المدرجات تُدار بمنطق “النية الحسنة”. البعض افترض أن التذكرة تُشترى في عين المكان، والبعض الآخر راهن على “التدخّل”، بينما آمن آخرون بنظرية أن الشغف الكروي وثيقة عبور.
النتيجة؟ ازدحام، توتر، مشاحنات، وضغط غير مبرر على المنظمين. جمهور غاضب لأنه لم يدخل الملعب، ومنظمون محاصرون بمشاكل لم يصنعوها، وصورة إعلامية تحوّلت من تشجيع رياضي إلى سوء سلوك جماهيري. كرة القدم، مرة أخرى، تدفع ثمن العشوائية.
أما ظاهرة البيع في الشارع، فهي ليست مجرد نكتة عابرة. إنها تعبير عن عقلية “نقتل عصفورين بحجر”: نشجّع المنتخب، ونعود ببعض الدراهم. لا بأس في التجارة، لكن حين تتحوّل تظاهرة رياضية قارية إلى سوق مفتوح غير منظم، فإن السؤال يصبح مشروعاً: هل نحن جمهور جاء للكرة أم قافلة اقتصادية موسمية؟
المفارقة أن المغرب، كبلد منظم للتظاهرة، وجد نفسه مضيفاً لجمهور لا يكتفي بالتشجيع، بل يخلق اقتصاداً موازياً، ويطالب بحق الدخول دون تذكرة، ثم يحتجّ إذا لم تُلبَّ مطالبه. هكذا تتحوّل الضيافة الرياضية إلى امتحان صعب للصبر والتنظيم.
في النهاية، ليست المشكلة في الجمهور الجزائري كجمهور، ولا في حبه لفريقه، فذلك أمر طبيعي ومشروع. المشكلة في غياب التخطيط، واستسهال الفوضى، واعتقاد البعض أن الحماس يعوّض القواعد. كرة القدم لعبة جميلة، لكنها لا تُدار بالعاطفة وحدها، ولا بالسفر المفاجئ، ولا بالبيع على الأرصفة.
الكان ليس سوقاً أسبوعياً، ولا رحلة جماعية بلا تذاكر. هو حدث قاري له قوانينه، ومن لا يحترمها يجد نفسه، بكل بساطة، خارج الملعب… يبيع القمصان، ويهتف من بعيد.