مهمة مواصلة الزحف الأفريقي: المغرب أمام اختبار الهدوء لا اختبار التفوق

مجدي فاطمة الزهراء

لا يدخل المنتخب المغربي مواجهة تنزانيا في ثمن نهائي كأس أمم إفريقيا بصفته المرشح الأقوى فحسب، بل بصفته منتخباً يطارده تاريخه أكثر مما يطارده خصمه. فعلى أرضية ملعب الأمير مولاي عبدالله، وأمام مدرجات ممتلئة بالأمل والضغط معاً، لا يختبر “أسود الأطلس” قدراتهم التقنية بقدر ما يُمتحنون في إدارة اللحظة.

منذ صافرة انطلاق البطولة، بدا أن المغرب يسير في طريق متعرج نحو الحلم. فوز أول “بشق الأنفس” على جزر القمر، تعادل أربك الحسابات أمام مالي وأوقف سلسلة انتصارات تاريخية، قبل أن تعود الطمأنينة نسبياً بانتصار مقنع على زامبيا. ثلاث مباريات، وثلاث حالات نفسية مختلفة، لكنها جميعاً تصب في سؤال واحد: هل تعلّم المغرب كيف يفوز عندما لا يكون الأداء مثالياً؟

مرشح أول… وعبء إضافي

أن تكون البلد المضيف يعني أن كل شيء يعمل لصالحك نظرياً: الجمهور، الإقامة، المناخ، وحتى معرفة الملاعب. لكنه يعني أيضاً أن أي تعثر يتحول إلى أزمة وطنية، وأي هدف ضائع يُقرأ كإنذار مبكر. المغرب يدرك هذه المعادلة جيداً، بعدما دفع ثمنها في نسخ سابقة، آخرها الإقصاء المؤلم أمام جنوب إفريقيا، وقبلها سيناريو بنين في 2019.

مواجهة تنزانيا، رغم ما توحي به الأرقام والتاريخ، ليست مجرد محطة عبور. فهي من تلك المباريات التي يخسرها الكبار ذهنياً قبل أن يخسروها فنياً، إن دخلوها بثقة زائدة أو استعجال غير محسوب.

تنزانيا… خصم بلا عقد

على الورق، كل المؤشرات تميل بوضوح لصالح المغرب. سبعة انتصارات في ثماني مواجهات، آخرها ثلاثية نظيفة في النسخة السابقة، وسجل تنزاني خالٍ من أي فوز في تاريخ مشاركاته القارية. لكن المفارقة أن هذا “الفراغ التاريخي” هو بالضبط ما يجعل تنزانيا خصماً مزعجاً.

منتخب “نجوم الأمة” يدخل المباراة بلا عبء التوقعات، بعدما حقق إنجازاً غير مسبوق ببلوغه ثمن النهائي لأول مرة. تعادلان أمام أوغندا وتونس كانا كافيين لمنح الفريق ثقة جديدة، ورسالة ضمنية مفادها أن التنزانيين لا يأتون إلى الرباط للسياحة الكروية.

وصول المدرب الأرجنتيني ميغل أنخل غاموندي أعاد ترتيب الفريق ذهنياً أكثر منه تكتيكياً. خطاب الرجل، الذي تحدث عن “11 ضد 11”، ليس ساذجاً كما قد يبدو، بل يعكس محاولة واعية لتحييد رهبة الاسم والجمهور.

الركراكي ومعركة التفاصيل

في الجهة المقابلة، يدرك وليد الركراكي أن مباريات الإقصاء المباشر لا تُحسم بالشعارات ولا بالسوابق. حديثه المتكرر عن التواضع ليس خطاباً أخلاقياً بقدر ما هو قراءة واقعية لتاريخ مغربي عوقب فيه الاستعلاء أكثر من مرة.

المنتخب المغربي يمتلك الجودة، العمق، والتنوع الهجومي، لكن التحدي الحقيقي سيكون في الصبر. تنزانيا ستدافع، ستغلق المساحات، وستراهن على المرتدات والكرات الثابتة، حيث يبرز اسم نوفاتوس ميروشي كصانع مفاجآت في بدايات الأشواط.

هنا، يصبح التحكم في الإيقاع أهم من تسجيل هدف مبكر، وتجنب التوتر الجماهيري لا يقل أهمية عن أي خطة تكتيكية.

ما وراء المباراة

هذه المواجهة ليست فقط من أجل بطاقة ربع النهائي، بل من أجل ترسيخ قناعة داخلية بأن هذا المنتخب تغيّر فعلاً. فالبطل، في البطولات الكبرى، لا يُقاس بعدد الأهداف ولا بجمالية الأداء فقط، بل بقدرته على تجاوز المباريات “المفخخة” بأقل قدر من الارتباك.

المغرب أمام تنزانيا لا يُطالب بالإبهار، بل بالانضباط. لا يُطلب منه استعراض عضلاته، بل إثبات نضجه. فإذا كان الطريق إلى اللقب يمر عبر لحظة وعي جماعي، فإن هذه المباراة قد تكون بدايتها الحقيقية.

في النهاية، قد تنتهي المباراة كما يتوقع الجميع… لكن الطريقة التي ستنتهي بها هي التي ستحدد ما إذا كان “الزحف الأفريقي” مجرد شعار، أم مساراً يعرف أصحابه جيداً أين يضعون أقدامهم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

This site is protected by wp-copyrightpro.com